إحالة مقتل سورمي إينجه للمحكمة الأوروبية يفضح تستر القضاء التركي على القتلة

تتصاعد أصداء الممارسات القضائية المشبوهة داخل منظومة العدالة التركية عقب إحالة قضية مقتل المواطنة سورمي إينجه رسمياً إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ويأتي هذا التحرك الدولي الراسخ إثر رفض المحكمة الدستورية التركية اعتبار الحادثة الدامية انتهاكاً للدستور، مما يعكس بوضوح نمطاً متجذراً من التواطؤ لإفلات الجناة من العقاب في الجرائم الموجهة ضد النساء والمدنيين، وتكشف التقارير الحقوقية والقضائية المتطابقة عن خلل بنيوي عميق في طريقة تعاطي السلطات مع القضايا التي تورطت فيها عناصر الأجهزة الأمنية والعسكرية، مما يحول دون تطبيق الصرامة القانونية المطلوبة ويؤكد وجود شبهات تمييز إقليمي وعرقي صارخ.
تعود وقائع الجريمة النكراء إلى تاريخ 18 يوليو 2016، حينما كانت الضحية الراحلة سورمي إينجه تقوم بتوصيل وجبة الإفطار إلى أقاربها في بلدة بيوكجيفتليك التابعة لقضاء جيفر (يوكسيكوفا) الواقع في نطاق محافظة جولميرك (هكاري)، حيث باغتتها رصاصة غادرة أُطلقت مباشرة من داخل مركبة عسكرية مدرعة تابعة لقوات الأمن التركية، مما أسفر عن سقوطها غارقة في دمائها وفقدانها للحياة على الفور، ويؤكد محامي أسرة الضحية في بيانه التكميلي المرفوع إلى الجهات القضائية الأوروبية أن الحق في الحياة قد انتُهك بشكل كامل من جانبيه الموضوعي والإجرائي، مع تعمد الجهات المحلية إغفال التحقيق في الدوافع التمييزية التي قادت إلى تصفية السيدة العزلاء.
يفند المحامي باران، الوكيل القانوني لأسرة الضحية، كافة الادعاءات التي ساقها الجانب العسكري، مؤكداً أن إطلاق النار الكثيف الذي أدى إلى قتل سورمي إينجه لم يستوفِ أدنى معايير الضرورة القصوى أو التناسب المعمول بها دولياً، حيث كان موقع الحادثة خالياً تماماً من أي نوع من أنواع الاشتباكات المسلحة، وكان المتواجدون جميعاً من المدنيين العُزّل الذين لا يشكلون أي تهديد، ويشدد الدفاع على أن الرصاصة التي خرجت من سلاح المركبة المدرعة صوب الضحية لا يمكن تبريرها تحت مزاعم الرصاص التحذيري أو الارتداد العشوائي، بل كانت استهدافاً مباشراً يعكس الاستخدام المفرط وغير المبرر للقوة المميتة ضد الأبرياء.
يتجلى التلاعب الواضح في الإجراءات من خلال التحقيقات الصورية وغير المستقلة التي أجرتها السلطات التركية، حيث شهدت القضية ضعفاً متعمداً في جمع الأدلة الجنائية من مسرح الجريمة، ورفضاً مستمراً للاستجابة لطلبات عائلة الضحية، ووصل الأمر إلى حد إجبار ذوي سورمي إينجه، بعد مرور 14 يوماً كاملة على الواقعة، على نزول الميدان بأنفسهم لجمع شظايا المقذوفات وفوارغ الرصاص المتروكة وتسليمها يدوياً إلى جهات التحقيق التي تقاعست عن أداء دورها، فضلاً عن قيام السلطات بالاستماع إلى أقوال العسكريين المتورطين داخل مراكز الشرطة التابعة لهم بصفة مخبرين وليس كمتهمين، مما نسف استقلالية المسار القضائي برُمته.
تأكيداً لسياسة التعتيم، رفض القضاء التركي كافة الطلبات الجوهرية التي تقدم بها الدفاع، والتي شملت إجراء كشف ميداني دقيق، وفحص تسجيلات الكاميرات والملفات الصوتية المثبتة بالمركبات المدرعة، ومراجعة سجلات الراديو والاتصالات بنظام HTS، بالإضافة إلى رفض إعداد تقارير باليستية وتقارير أعطال فنية بواسطة خبراء عسكريين محايدين، وهي الأدلة الحيوية التي كانت كفيلة بتحديد المسافة الدقيقة لإطلاق النار، وخط الرؤية، وطبيعة التضاريس، وكشف ما إذا كانت كاميرا المركبة قد ميزت هوية المدنيين العزل قبل الضغط على زناد السلاح الآلي.
انتهت تلك المحاكمة الهزلية المحدودة بإدانة جندي واحد فقط يُدعى (أ. د) وصدر بحقه حكم مخفف للغاية بالسجن لمدة 3 سنوات و10 أشهر و20 يوماً بتهمة التسبب في الوفاة نتيجة الإهمال، وهو الحكم الذي اعتبره المحامي باران وسيلة صريحة لشرعنة الإفلات من العقاب وحماية بقية المتورطين، نظراً لحصر المسؤولية الجنائية في شخص مجند صغير، مع تبرئة قادة المركبات العسكرية، وقائد المحطة الأمنية، والأفراد الآخرين الذين تواجدوا في موقع الجريمة وأصدروا الأوامر، مما يفتح الباب واسعاً أمام تفعيل المادة 14 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان الخاصة بحظر التمييز الممنهج المرتبط بالحق في الحياة.







