أخبار العالمحقوق وحرياتملفات وتقارير

من السافاك إلى إيفين.. تاريخ أسود من التعذيب الممنهج داخل سجون إيران

في اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، الذي يوافق 26 يونيو 2026، يتجدد الكشف عن السجل القمعي الممتد للسلطات الإيرانية عبر عقود طويلة، ليميط اللثام عن ممارسات وحشية بدأت منذ عهد بهلوي وجهاز السافاك، وصولاً إلى زنازين الجمهورية الإسلامية الحديثة. وتؤكد التقارير الحقوقية المتواترة بنبرة دامغة أن التعذيب في إيران ليس مجرد انتهاكات فردية عابرة، بل هو أداة نظامية ممنهجة لانتزاع الاعترافات القسرية وبث الرعب الجماعي في أوصال المجتمع، في ظل حصانة مطلقة يتمتع بها الجناة وغياب كامل لآليات الرقابة المستقلة والمساءلة القضائية الفعالة، مما يساهم مباشرة في اتساع دائرة العنف ويقوض تماماً حماية المحتجزين داخل السجون.
وتأتي هذه المناسبة الدولية، التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة رسمياً عام 1997 تخليداً لذكرى دخول اتفاقية مناهضة التعذيب حيز التنفيذ في 26 يونيو 1987، لتذكر العالم كله بالحظر المطلق لهذه الجريمة النكراء التي لا تسقط بالتقادم بموجب أحكام القانون الدولي، حيث لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف من الظروف سواء كانت حالة طوارئ، أو حرب، أو تهديد للأمن القومي، أو مكافحة للإرهاب. ورغم قبول هذه الاتفاقية من جانب أكثر من 155 دولة حول العالم، إلا أن حكومات عديدة ترفض الانضمام إليها، بينما تنحرف دول أخرى عن مبادئها بذريعة الحفاظ على الأمن، وفي إيران دأبت السلطات على تبرير السلوكيات اللاإنسانية بالاستناد إلى تفسيرات فقهية وقوانين محلية تواجه انتقادات دولية واسعة.
وتثبت التجارب التاريخية، بدءاً من محاكمات مجرمي الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى التحقيق القضائي في قضية حامد نوري والدعاوى القانونية المرفوعة ضد رموز أمن نظام بهلوي السابق ومنهم برويز سابتي، أن الجهود الدولية مستمرة لتحقيق مبدأ المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والضرب على أيدي المعذبين. ويكشف التاريخ الأسود للتعذيب في إيران خلال العصر الحديث عن فظائع ارتكبها جهاز الأمن الشهير “السافاك” في ظل نظام بهلوي ضد المعارضين السياسيين، والناشطين الطلابيين، والصحفيين، والكتاب، والمثقفين، حيث توضح شهادات السجناء السياسيين والوثائق الدامغة استخدام أساليب وحشية لإهدار الكرامة البشرية، شملت جلد باطن القدمين، وحرق الأجساد بالسجائر والحديد، والتعليق من الأيدي، والصعق بالكهرباء، فضلاً عن استخدام جهاز “أبولو” المصمم لتحطيم إرادة المعتقلين وتدميرهم بشكل كامل.
ومع التحول السياسي بعد ثورة عام 1979، لم تتوقف هذه الآلة القمعية بل استمرت المنظومة بذات المنهجية داخل مراكز الاحتجاز التابعة للنظام الحالي، حيث تحولت سجون شهيرة مثل “إيفين”، و”قزل حصار”، وفي السنوات اللاحقة مركز احتجاز “كهريزك” إلى رموز حية للانتهاكات الصارخة لحقوق السجناء. وتشير تقارير المقررين الخاصين للأمم المتحدة إلى أن الضغط الجسدي والنفسي يمارس بشكل أساسي لكسر روح المعتقلين وإجبارهم على الإدلاء باعترافات قسرية، أو التعرف على الآخرين، أو التعبير عن الندم عبر شاشات التلفزيون، وقد ظهر ذلك بوضوح خلال قمع احتجاجات عام 2009 والانتهاكات اللاحقة، مما دفع المنظمات الدولية لإدانة هذه الأساليب التي تهدف لخلق خوف عام ومنع المقاومة الاجتماعية.
ولا تتوقف عواقب هذه الجرائم المنظمة عند الأذى الجسدي المباشر، بل تمتد لتصيب الضحايا باضطرابات نفسية وعقلية حادة، وقلق مزمن، واكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة، مما يفقد الكثيرين القدرة على العودة إلى الحياة الطبيعية ويدفع بعضهم إلى الانتحار بعد سنوات من نيل حريتهم، ولهذا فإن دعم الضحايا يتطلب علاجاً وإعادة تأهيل نفسي وقانوني متكامل. ويرى خبراء المدافعين عن حقوق الإنسان أن استراتيجيات مكافحة هذا التغول الأمني تتطلب إنهاء الحصانة القضائية تماماً، وتجريم التعذيب بنصوص تشريعية واضحة، وضمان وصول المحتجزين الفوري للمحامين وعائلاتهم، مع كفالة استقلال القضاء والأطباء الشرعيين، والسماح للمؤسسات الدولية بمراقبة وتفتيش السجون، وتدريب قوات الأمن على استبدال العنف بأساليب الاستجواب العلمية المعتمدة عالمياً.
وفي النهاية، يجمع المدافعون عن حقوق الإنسان على أن تحقيق هذه الحلول والاستراتيجيات في ظل الأنظمة الاستبدادية يواجه عقبات جسيمة، نظراً لأن المؤسسات الأمنية والقضائية في مثل هذه الهياكل تفتقر تماماً إلى الاستقلالية وتعتبر نفسها جزءاً أصيلاً من دائرة القمع السياسي. وتؤكد التجربة الإيرانية المريرة خلال فترتي حكم بهلوي والجمهورية الإسلامية أنه بدون إرساء مبادئ الشفافية والرقابة العامة وإجراء إصلاحات هيكلية حقيقية، ستظل إمكانية القضاء على التعذيب بعيدة المنال، مما يجعل توثيق الانتهاكات ودعم وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني خط الدفاع الأول والوحيد لصون كرامة الإنسان وحمايتها من السحق والانتهاك المستمر، حيث يتطلب الأمر تضافراً دولياً حقيقياً للضغط على هذه النظم الاستبدادية لفتح أبواب معتقلاتها السرية أمام لجان التقصي والتحقيق المحايدة لوقف هذه المأساة اللاإنسانية التي طال أمدها وتجاوزت كل الحدود والخطوط الحمراء الدولية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى