اقتصادمصرملفات وتقارير

أسرار بيع أصول وطنية وجبل الزيت لضمان 1.6 مليار دولار من صندوق النقد


تكشف الكواليس عن نجاح الحكومة المصرية في استيفاء كافة الشروط التي فرضها صندوق النقد الدولي، وهو ما يمهد الطريق للإفراج عن تمويل تبلغ قيمته 1.6 مليار دولار. تأتي هذه الخطوة لإنقاذ الاقتصاد الذي تعرض لاهتزازات نتيجة التداعيات لحرب إيران. وتؤكد المصادر المطلعة أن القاهرة استوفت معايير أخرى هامة ضمن الاتفاق المبرم في عام 2024، وفي صدارتها التطبيق الكامل لنظام سعر صرف مرن. وبات الإعلان عن التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء أمرا وشيكا، في ظل صمت من المسؤولين المصريين الذين لم يردوا على طلبات التعليق.
أحالت الإدارة العليا لصندوق النقد الدولي الاستفسارات إلى الإحاطة الصحفية التي عقدتها جولي كوزاك المتحدثة باسم الصندوق يوم الخميس، حيث كشفت أن المناقشات تحرز تقدما، وأن الهدف يتمثل في إتاحة صرف الشريحة المقبلة خلال فصل الصيف. وأطلقت تصريحات تؤكد ترحيب الصندوق بجهود مصر الرامية إلى تعزيز تعبئة الإيرادات المحلية، واستمرار العمل المشترك لدفع برنامج التخارج الحكومي وبيع الأصول المملوكة للدولة. ويعود أصل هذه الترتيبات إلى مطلع عام 2024، عندما رفعت مصر، باعتبارها الدولة الأكبر من حيث الكثافة السكانية في منطقة الشرق الأوسط، قيمة برنامج التمويل القائم مع صندوق النقد الدولي ليصل إلى 8 مليارات دولار، وهو ما يتجاوز ضعف حجمه السابق، وجاء ذلك ضمن حزمة دعم أوسع نطاقا بلغت قيمتها 57 مليار دولار شملت تمويلات واستثمارات من شركاء دوليين، وسط تفاقم الأزمة الاقتصادية بفعل التداعيات غير المباشرة للحرب في غزة المجاورة.
تخضع المراجعات الدورية التي يجريها صندوق النقد الدولي لمراقبة وثيقة من قبل المستثمرين الأجانب، الذين ضخوا مليارات الدولارات في سوق الدين المحلية المصرية خلال السنوات الماضية. لكن الأمور تعقدت بعد أن فرضت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ضغوطا جديدة، إذ دفعت هذه التوترات إلى خروج جزء من استثمارات المحافظ الأجنبية، وأدت إلى تراجع في قيمة الجنيه المصري، قبل أن ينجح في تعويض جانب من خسائره خلال الأسابيع الأخيرة بالتزامن مع اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى اتفاق سلام مؤقت. وتعد هذه المراجعة هي المراجعة السابعة وقبل الأخيرة ضمن برنامج مصر مع صندوق النقد الدولي، وعادة ما تتبع خطوة التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء، وبعد مرور أسابيع قليلة، خطوة انعقاد اجتماع المجلس التنفيذي للصندوق للإفراج عن مبلغ شريحة القرض.
لقد طفت تفاصيل الصفقات التي تثبت التوجه لتقليص دور الدولة في الاقتصاد وإفساح المجال للقطاع الخاص للمنافسة بحرية. وتكشف الكواليس عن إبرام صفقتين خلال الشهر الماضي؛ ففي 11 يونيو، وقعت شركة طاقة عربية المصرية اتفاقا للاستحواذ على حصة قدرها 10% في شركة تأسست حديثا، ستستحوذ بدورها على نحو 170 محطة وقود مملوكة حاليا لشركة وطنية التابعة للقوات المسلحة. وبموجب الاتفاق، ستتولى شركة طاقة عربية إدارة وتشغيل الشركة الجديدة بالكامل، مع احتفاظها بحق زيادة حصتها بنسبة 15% إضافية بعد إدراج الشركة في البورصة المصرية. ورغم عدم الإعلان عن القيمة المالية للصفقة، إلا أنها اعتبرت محليا خطوة مفصلية، كونها تشكل أول بيع جزئي لأصول مرتبطة بالقوات المسلحة إلى القطاع الخاص، علما بأن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة يمتلك حصة تبلغ 20% في شركة طاقة عربية. وجاءت هذه الخطوة بعد وقت قصير من اتفاق شركة الكازار للطاقة الإماراتية على دفع 420 مليون دولار مقابل تشغيل وتطوير مزرعة رياح جبل الزيت على ساحل البحر الأحمر، وتؤكد الحكومة المصرية أن حصيلة هذه الصفقة ستنقل إلى وزارة المالية لاستخدامها في خفض الدين العام.
لم تتوقف الإجراءات عند حد بيع الأصول الحكومية، بل تعتزم الحكومة المصرية تنفيذ المزيد من عمليات البيع، حيث كشفت مؤخرا عن نسخة جديدة من وثيقة سياسة ملكية الدولة، والتي تحدد التوجهات للسنوات الأربع المقبلة. ويعد إصدار الوثيقة من المتطلبات الرئيسية التي فرضها صندوق النقد الدولي، حيث تهدف لرفع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى أكثر من 65% بحلول عام 2030. وأسهمت التعديلات التي أدخلت على ضريبة القيمة المضافة في تيسير استكمال المراجعة الخاصة بمصر. وتستعد الحكومة لزيادة الإيرادات العامة عبر إجراءات تشمل فرض ضرائب على إيرادات تأجير العقارات التجارية وإنتاج الغاز الطبيعي، ومن المقرر أن تدخل هذه الإجراءات والضرائب الجديدة حيز التنفيذ مع بداية السنة المالية في الأول من شهر يوليو.
تعكس جميع هذه التطورات السريعة حجم التنازلات الاقتصادية العميقة التي قدمتها الإدارة لضمان تدفق السيولة الدولارية، وكيف تحولت خطط التنمية إلى مجرد التزامات حتمية لتسديد الفواتير المفتوحة، ليبقى المواطن وحده يدفع ثمن هذه القرارات.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى