العالم العربيملفات وتقارير

انطلاق فعاليات معرض تراثي هويتي بقصر الحصن 23 في العاصمة الجزائرية

يستمر قصر رؤساء البحر، المعروف باسم “الحصن 23” في العاصمة الجزائرية، في احتضان فعاليات المعرض التشكيلي المشترك الذي يحمل عنوان “تراثي هويتي” حتى تاريخ 27 يونيو 2026. يأتي هذا الحدث الثقافي الهام ليمزج بين الأصالة والتقنيات التشكيلية المعاصرة، مسلطًا الضوء على ثراء التراث الجزائرية وتنوعه الحضاري الفريد. يعبر المعرض عن مشروع فني مشترك يحمل اسم “ثنائية اللون”، وهو نتاج تعاون وثيق بين الفنانة التشكيلية الجزائرية سعيدة بوسكين والفنانة والحرفية السورية عالية عداي. يعكس المعرض رؤية مشتركة تسعى جاهدة لحفظ الذاكرة الثقافية، وتوثيق العادات والتقاليد والأزياء والموروث الشعبي الذي يميز مختلف المناطق الجغرافية، مما يساهم بشكل فعال في تعزيز الحوار الفني الممتد بين المشرق والمغرب العربي عبر لوحات فنية تفيض بالإبداع والتميز والعمق التاريخي.
تكشف الفنانة التشكيلية الجزائرية سعيدة بوسكين، وهي خريجة المدرسة الوطنية للفنون الجميلة، عن تفاصيل تجربتها الفنية في إطار مشروع “ثنائية اللون” المشترك. تؤكد سعيدة بوسكين أنها تحرص تمامًا في لوحاتها على اختيار مواضيع شديدة التنوع ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالهوية الثقافية الجزائرية. لا تتوقف أعمالها عند حدود تصوير الأزياء التقليدية فحسب، بل تمتد لتشمل الصناعات الحرفية التقليدية كالفخار والنسيج والزربية وغيرها من الموروثات التي تبرز عمق الحضارة. تعتمد بصمتها الفنية الخاصة على إدماج عناصر مادية حقيقية ملموسة داخل اللوحة ذاتها، مثل قطع القماش والحلي التقليدية، بالإضافة إلى استخدام تقنية “الريليف” البارزة التي تمنح العمل الفني بعدًا مجسمًا وواقعيًا يساعد في تجسيد الأفكار الفنية بشكل ملموس ومثير للاهتمام لدى الجمهور المتلقي.
تتضمن اللوحات المعروضة للفنانة سعيدة بوسكين أعمالًا تجسد بدقة ملامح المرأة التارقية وهي تحمل آلة “الإمزاد” الموسيقية التقليدية، وهي الآلة الشهيرة في منطقة الطوارق بالجنوب والتي يقتصر استخدامها تاريخيًا على النساء دون الرجال. كما خصصت سعيدة بوسكين مجموعة من أعمالها لإبراز التفاصيل الغنية للزي التلمساني والحلي التقليدية التي تميز المرأة في غرب الجزائر، مع التركيز التام على إظهار التفاصيل الدقيقة للمجوهرات وحبات الجوهر التي تتزين بها النساء. بالإضافة إلى ذلك، تعرض لوحة مستوحاة من عادة “القردون” القديمة التي كانت تستخدمها النساء لتمليس الشعر، كتوثيق حي للممارسات التراثية الشعبية. تشير سعيدة بوسكين إلى أن هذا التنوع الثقافي، من الملحفة الشاوية في الشرق إلى أزياء الوسط والجنوب، يجعل من الجزائر قارة ثقافية غنية بالهوية والحضارة.
من جهة أخرى، تقدم الفنانة والحرفية السورية عالية عداي، المنحدرة من أم جزائرية مجاهدة، رؤيتها التشكيلية المستوحاة مباشرة من التفاعل الثقافي والحضاري بين المشرق والمغرب العربي. تحمل أولى لوحاتها المعروضة عنوان “الجزائر”، وضمنت فيها رموزًا أثرية وتراثية من مختلف أنحاء الوطن عبر تصوير أزياء تقليدية متنوعة مثل الجبة القسنطينية والكراكو العاصمي والجبة القبائلية. تعتمد عالية عداي في خلفيات لوحاتها على الزخارف الهندسية الإسلامية التي تضفي بعدًا جماليًا وتاريخيًا يعكس عمق الحضارة الإسلامية. تشكل الزخرفة محورًا أساسيًا في أسلوبها، حيث تهتم بالتفاصيل الدقيقة للحلي والعناصر المعمارية، مع اختيار ألوان حيوية مثل الأحمر والبرتقالي والأخضر لبث الطاقة والحوية في اللوحات المعروضة.
توضح عالية عداي أن الجبة القسنطينية تعد من أكثر الأزياء التي تستوقفها لجمالها وتفاصيلها الغنية، مما دفعها لتجسيد امرأة قسنطينية أمام باب مستوحى من التراث تلمساني لإبراز وحدة التراث الجزائري رغم التباين الجغرافي. يشهد المعرض أيضًا عرض لوحة جماعية مشتركة أنجزتها الفنانتان بالتعاون مع الفنانة أمينة حسين، حيث جسدن فيها مبنى مسرح محيي الدين بشطارزي كمعلم ثقافي بارز. تستعرض اللوحة المشتركة مزيجًا من العادات والتقاليد عبر رقصات التوارق واحتفالات السبيبة ورقصات النساء العاصميات، بجانب طبوع موسيقى الحوزي والمالوف، في مشهد متكامل الأركان يعبر بوضوح عن الثراء الثقافي الكبير.
يمثل معرض “تراثي هويتي” فرصة حقيقية أمام زوار قصر الحصن 23 لإعادة اكتشاف الهوية التراثية في قالب تشكيلي حديث يحارب النسيان، حيث تسعى الفنانات من خلال هذا التجمع الفني المتميز إلى تقديم توثيق تاريخي وبصري شامل لكافة الموروثات الشعبية، مؤكدات أن الفن يحمل رسالة سامية في الحفاظ على الذاكرة الحية وتناقلها عبر الأجيال المتعاقبة لحماية الأصالة من الاندثار والضياع والتغييب المتعمد في العصر الحالي. يؤكد هذا المعرض التشكيلي الفريد أن الهوية الثقافية الجزائرية تظل راسخة في وجدان الأمة وعصية على الطمس أو التغييب، بفضل هذه الجهود الفنية المخلصة التي تعيد إحياء الماضي بأسلوب معاصر فريد يجذب انتباه جميع الأجيال الجديدة، ويفتح الباب واسعًا أمام حوار ثقافي ممتد ومستمر يعزز الروابط المتينة بين كافة شعوب المشرق والمغرب العربي في مختلف المحافل الإبداعية لحماية هذا التراث الإنساني المشترك العريق للغاية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى