د. أيمن نور يكتب: السودان وآفة النسيان .الجرح الأقرب إلى مصر والأكثر خطرًا على أمنها هو السودان.

أحسب أن اقتراب قوات الدعم السريع من الأبيض، والفظائع المحتملة بحق مئات الآلاف من المدنيين، لا يجب أن يُقرأ كخبرٍ سوداني داخلي. هذه معادلة أمن قومي مصري مباشر: حدود، ولاجئون، ومياه، وغذاء، وسلاح، وتدخلات إقليمية تبحث دائمًا عن فراغٍ تملؤه.
وما ينكسر في جنوب الوادي يصل صداه إلى شماله.
الأخطر في السودان أن التشظي لم يعد عسكريًا فقط. فالحديث عن أوراق نقدية جديدة تتداول في مناطق سيطرة الدعم السريع يعني أن الانقسام بدأ يتسلل إلى جيوب الناس، لا إلى الخرائط وحدها. فحين تتعدد الجيوش تتشقق السيادة، وحين تتعدد المرجعيات النقدية يبدأ الوطن في الانقسام داخل السوق، ثم داخل الذاكرة. لا دولة تُنقذ بميليشيا، ولا وطن يُحمى بمرتزقة، ولا سيادة تُستعاد فوق جثث المدنيين.
دعم الدولة السودانية وجيشها الوطني في مواجهة الميليشيا لا يعفي من واجب حماية المدنيين، بل يفرضه.
الدولة التي نريدها للسودان لا يجب أن تعود فوق صمت الضحايا، ولا عبر عفوٍ غير معلن عن دماءٍ سالت. نعم لإضعاف الميليشيا، ونعم لاستعادة الدولة، لكن لا لعقد مصالحات عسكرية فوق ذاكرةٍ مجروحة. السودان يحتاج إلى جيش يحمي الدولة، وعدالة تحمي المجتمع من أن يُقتل مرتين: مرة بالسلاح، ومرة بالنسيان.
ملف السودانيين في مصر يحتاج إلى عقل الدولة ورحمتها معًا. من حق مصر أن تحمي حدودها، وتواجه التهريب والتعدين غير القانوني، وتنظم الإقامة، لكن ليس من حق أي دولة أن تجعل الضعف الإنساني تهمة. اللاجئ ليس خطرًا لمجرد أنه جاء من النار، ولا يجوز أن يُدفع الناس إلى المجهول باسم الإجراءات.
الأمن والكرامة ليسا خصمين.
هما جناحا الدولة العاقلة.







