مصر

د. أيمن نور يكتب: الدعم النقدي… والرغيف الذي لم يأكله رئيس الوزراء . مصر الممكنة 2030

بقلم د. أيمن نور

رغيف صغير دخل البرلمان ذات يوم، لا بوصفه قطعة خبز رديئة، بل بوصفه شاهدًا صامتًا على علاقة مختلة بين دولة تطلب من فقرائها الصبر، وحكومة لا تقبل أن تذوق ما تطلب من الناس ابتلاعه كل صباح. كان الرغيف باهتًا، متعبًا، أقرب إلى وثيقة اتهام منه إلى طعام، يحمل في تشققه قصة فرن، ووزارة، وسياسة عامة تركت الفقير في آخر الحساب.

يومها تقدمت باستجواب شهير في مجلس الشعب حول رغيف العيش، ووضعت الرغيف أمام الحكومة، وقلت لرئيس الوزراء كلامًا واضحًا لا يحتمل التورية: تفضل، كل هذا الرغيف أمام البرلمان، فإن استطعت أن تأكله سحبت استجوابي، وإن لم تستطع فاستقل. لم يأكله، ولم يستقل. وبقيت الواقعة في ذاكرتي السياسية دليلًا على أن أزمة الخبز في مصر لم تكن أزمة دقيق فقط، بل أزمة ضمير، ورقابة، وعدالة، واحترام للناس.

تلك اللحظة لم تكن استعراضًا برلمانيًا، كما قد يحب البعض أن يختصرها، بل كانت محاولة لإدخال الحقيقة إلى القاعة بملمسها ورائحتها ومرارتها. السياسات العامة لا تختبر في التقارير وحدها، ولا في الجداول النظيفة، ولا في الكلمات المصقولة. تختبر حين يستطيع المسؤول أن يأكل الرغيف نفسه الذي يأكله الفقير، ويركب وسيلة النقل نفسها، ويدخل المستشفى نفسه، ويطمئن إلى المدرسة نفسها، ويعيش ليوم واحد فقط في الشروط التي يصممها لغيره.

مصر الممكنة 2030 تبدأ من هنا: من إنسان لا من بند مالي، من بيت لا من ميزانية مجردة، من رغيف لا من معادلة حسابية. الدعم في مصر ليس ملفًا عاديًا، ولا رقمًا يمكن نقله من خانة إلى خانة دون أثر في النفوس والبيوت. الدعم أحد أعمق خيوط العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، ورغيف الخبز بالذات دخل التاريخ المصري من باب السياسة كما دخل البيوت من باب الحاجة.

البطاقة التموينية ليست ورقة إدارية فحسب. هي ذاكرة طويلة من علاقة الدولة بالفقراء، واعتراف ضمني بأن السوق وحده لا يرحم الضعفاء، وأن الأجور وحدها لا تكفي، وأن الدولة التي تريد الاستقرار لا تترك طعام الناس كله معلّقًا على تقلب الأسعار وجشع الوسطاء وضعف الرقابة. لذلك يبدو الاقتراب من هذا الملف، بلا ضمانات حقيقية، اقترابًا من عصب مكشوف في الجسد المصري.

التحول المقترح من الدعم العيني إلى الدعم النقدي أو النقدي المشروط ليس تغييرًا في وسيلة الصرف فقط؟ إنه انتقال في فلسفة الحماية الاجتماعية: هل تظل الدولة ضامنة لبعض السلع الأساسية، وفي مقدمتها الخبز، أم تمنح المواطن مبلغًا ثابتًا ثم تدفعه إلى سوق متحركة؟ وهل يصبح الفقير شريكًا في إصلاح عادل، أم مجرد متلق لقرار صيغ بعيدًا عن مائدته؟

إصلاح الدعم ضرورة لا ينبغي إنكارها. منظومة الدعم العيني عانت طويلًا من تسرب وفساد ورداءة وبيروقراطية وغياب للعدالة بين المستحق وغير المستحق. غير أن إصلاح المنظومة لا يعني كسرها فوق رؤوس الفقراء. والدعم النقدي لا يصير عادلًا لأنه أكثر حداثة في اسمه، بل يصير عادلًا فقط عندما يحفظ القوة الشرائية، ويرتبط بالأسعار، ويصون الخبز، ويمنح المستحق حق التظلم قبل أن يطرده النظام من آخر شبكة أمان.

القيمة المتداولة حتى الآن، إن بقيت في حدود بضع مئات من الجنيهات للفرد شهريًا، تبدو كارثية في أثرها المحتمل على الأكثر فقرًا. هذا مبلغ قد يبدو منضبطًا في ورقة حكومية، لكنه يتبخر سريعًا في السوق، بين الخبز والزيت والسكر والأرز والمواصلات والدواء. الفقير لا يعيش في المتوسط الحسابي، ولا يأكل من بيان رسمي، ولا ينتظر التضخم حتى تنتهي الحكومة من حساباته.

مخصصات دعم السلع الغذائية في الموازنة الجديدة تدور حول 175 إلى 178 مليار جنيه، ومنظومة الخبز تمس حياة عشرات الملايين من المصريين. ضخامة الرقم لا تكفي لإثبات العدالة. المعيار الحقيقي هو ما يصل فعلًا إلى المواطن، وما يبقى من قيمته بعد موجات الغلاء، وما إذا كان سيحمي وجبة الفقير أو يتركها تحت رحمة سعر يتحرك أسرع من أي تعويض نقدي ثابت.

التضخم الرسمي قد يتراجع إلى أرقام أقل قسوة من ذروات سابقة، لكن تضخم الفقراء له وجه آخر. سلة الفقير ضيقة ومؤلمة: غذاء، دواء، نقل، كهرباء، ومصاريف مدرسة. اشتعال هذه البنود يكفي لإفقار أسرة كاملة، حتى لو ظهر المؤشر العام أكثر هدوءًا. لذلك فإن الدعم النقدي غير المرتبط تلقائيًا بسلة أسعار الفقراء يصبح خفضًا مقنعًا للدعم، لا إصلاحًا له.

مصر الممكنة لا ترفض الدعم النقدي من حيث المبدأ، لكنها ترفض تحويله إلى غطاء مهذب لتقليص الحماية. الدعم النقدي في اقتصاد مستقر قد يكون أكثر كفاءة. أما في اقتصاد تضخمي، بسوق غير منضبطة، وقاعدة بيانات ملتبسة، ورقابة ضعيفة، فهو أشبه بمظلة من ورق في يوم مطر. يظهر كحماية، لكنه لا يصمد حين يحتاج إليه الناس فعلًا.

الخبز يجب أن يبقى خارج أي مغامرة نقدية كاملة في المرحلة الأولى. الرغيف في مصر ليس سلعة عادية، بل حد فاصل بين الفقر والجوع، وبين الغضب والصبر، وبين الدولة وضميرها. من حمل يومًا رغيفًا رديئًا إلى البرلمان، وطلب من رئيس الوزراء أن يأكله أمام النواب، يعرف أن العبث بملف الخبز دون ضمانات ليس شجاعة إصلاحية، بل مخاطرة اجتماعية لا يدفع ثمنها إلا من لا يملكون ثمن الخطأ.

الاقتصاد المصري لا يصلح من باب الرغيف وحده. الدعم ليس أصل المرض كله، بل عرض لاقتصاد لا ينتج بما يكفي، ولا يصدر بما يكفي، ولا يوزع عوائد النمو بعدالة كافية. العجز التجاري، وكلفة الدين، وضعف الصناعة، وتراجع الزراعة، ومزاحمة الدولة للقطاع الخاص، كلها تضغط على الموازنة. علاج هذه الاختلالات لا يكون بتحميل الأكثر هشاشة ثمن الانتقال، بل بتغيير بنية الاقتصاد الذي يعيد إنتاج الفقر كل عام.

حكومة تطلب من الناس احتمال رفع الدعم مطالبة أولًا بأن تشرح لهم أين يذهب المال العام. المواطن الفقير يرى مشروعات ضخمة لا يفهم عائدها المباشر، وامتيازات لا تمس، وكيانات عامة تخسر ولا تحاسب، وأولويات إنفاق لا تناقش بجدية، ثم يطلب منه أن يتقبل تقليص حماية الرغيف باسم الإصلاح. هذا ليس عدلًا. هذا نقل للألم من دفاتر الدولة إلى موائد الناس.

مصر الممكنة تحتاج إلى اقتصاد يخلق دخلًا قبل أن يوزع إعانة. تحتاج إلى قطاع خاص حقيقي لا يعمل تحت ظل الدولة ولا تحت خوفها، وإلى منافسة تكسر الاحتكار، وزراعة تحمي الأمن الغذائي، وصناعة تقلل الاستيراد، وضريبة عادلة لا تطارد الصغير وتغض الطرف عن الكبير. الدعم العادل لا ينفصل عن اقتصاد عادل، ولا عن دولة تعرف أن حماية الضعفاء ليست منحة، بل واجب دستوري وأخلاقي.

الدعم النقدي العادل يحتاج إلى ربط واضح بسلة غذائية حقيقية. قيمة التحويل يجب أن تتحرك مع أسعار الخبز والحبوب والزيوت والبقوليات والدواء والنقل الأساسي. الرقم الثابت في بلد متغير الأسعار يتحول سريعًا

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى