الأمم المتحدة تكشف المستور وتعلن استهداف النساء والفتيات بأنماط تعذيب متعددة

شهدت أروقة المنظمات الدولية صدمة حقوقية مدوية بعد أن كشفت وكالات الأمم المتحدة المناهضة للتعذيب عن حقائق مرعبة تتعلق بوضع النساء والفتيات حول العالم، حيث طالبت الهيئات الأممية بشكل عاجل وصارم كافة الدول بضرورة تعزيز آليات الوقاية والمساءلة والإنصاف المراعية للنوع الاجتماعي لضمان حمايتهن من ممارسات التعذيب وسوء المعاملة البشعة في مختلف السياقات، وأكدت هذه الوكالات في تقاريرها الصادرة يوم السبت 27 حزيران 2026 أن الضحايا من الإناث يواجهن واقعاً مأساوياً يربط بين التعذيب وعوامل التمييز والوصم الاجتماعي وعدم المساواة، مما يستدعي صياغة استجابات شاملة تضمن حقهن المهدر في العدالة وتكشف زيف الشعارات البراقة التي تتشدق بها الأنظمة.
وأحيت آليات الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب يوم الجمعة 26 حزيران اليوم الدولي لمناهضة التعذيب عبر إصدار بيان مشترك ناري صادر عن المقرر الخاص المعني بالتعذيب، ولجنة مناهضة التعذيب، واللجنة الفرعية لمنع التعذيب، بالإضافة إلى صندوق الأمم المتحدة لضحايا التعذيب، وحمل البيان إدانة صارخة مفادها أن التعذيب ليس فعلاً محايداً من الناحية الجندرية، بل إن أنماطه الخسيسة وتأثيراته المدمرة تختلف باختلاف النوع الاجتماعي، حيث تواجه النساء والفتيات أشكالاً ممنهجة من التنكيل داخل السجون، ومراكز الاحتجاز، ومناطق النزاعات المسلحة، وطرق الهجرة، والمؤسسات المغلقة، بما يشمل جرائم العنف الجنسي، والتفتيش العاري المهين، والإذلال النفسي، والتدخل القسري في الصحة الإنجابية، والحرمان المتعمد من الرعاية الطبية، والتهديدات المستمرة بالشرف.
وشدد البيان الأممي على أن الحظر القانوني والنصوص الدستورية المكتوبة لم تعد تكفي مطلقاً للقضاء على هذه الآفة الممتدة، بل إن الدول ملزمة قانوناً بإنشاء آليات ملموسة، ومتاحة، وآمنة لإجراء تحقيقات فعلية تمنع إفلات الجناة من العقاب وتضمن إعادة تأهيل الضحايا، وكشف التقرير أن التعذيب لا يزال قائماً ومستشرياً داخل مراكز الشرطة وسجون المهاجرين ومناطق العمليات العسكرية وقمع الاحتجاجات، ليس فقط في ظل الأنظمة الاستبدادية، بل أيضاً من قبل الأجهزة الأمنية التابعة لدول تصنف نفسها كذباً بأنها ديمقراطية، وحدد التقرير 3 عوامل رئيسية تسببت في التراجع الملحوظ في مكافحة التعذيب خلال السنوات الأخيرة.
وتمثل العامل الأول في صعود السياسات الأمنية المتطرفة، فبذريعة مكافحة الإرهاب وأمن الحدود ومواجهة الهجرة غير النظامية، قامت الدول بنقل مراكز إنفاذ القانون إلى مواقع نائية بعيدة عن الرقابة، وتعد معدلات الوفيات المرعبة داخل مراكز احتجاز المهاجرين التابعة لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) نموذجاً صارخاً على ذلك، حيث دعت الأمم المتحدة لفتح تحقيق مستقل بعد أن كشفت منظمة هيومن رايتس ووتش عن وقوع 52 حالة وفاة في مراكز هذه الإدارة خلال أول 500 يوم فقط من عودة ترامب إلى السلطة، وهو أعلى معدل وفيات يجري تسجيله في العقد الماضي، وفي أوروبا تزايدت عمليات صد اللاجئين وتفويض مراقبة الحدود لدول ثالثة لارتكاب الانتهاكات خارج الحدود، حيث وثقت هيومن رايتس ووتش بناءً على بيانات عام 2025 عشرات الآلاف من عمليات الصد في بولندا وبلغاريا، فضلاً عن قيام خفر السواحل الليبي المدعوم أوروبياً باحتجاز أكثر من 27 ألف شخص لمنعهم من الوصول، إلى جانب ما رصدته منظمة العفو الدولية من تعذيب واختفاء قسري وإعدام لأسرى الحرب والمدنيين في الشرق الأوسط والأراضي التي تحتلها روسيا في أوكرانيا، وفي آسيا استغلت سريلانكا قوانين مكافحة الإرهاب لشرعنة الاحتجاز التعسفي والتعذيب.
وجاء الإفلات من العقاب كعامل ثانٍ لتكريس الجريمة، حيث تتقاعس معظم البلدان عن التحقيق في حالات التعذيب نظراً لتمتع الموظفين العموميين بحماية إدارية وحصانة قضائية، وعرقلة الأدلة تحت مزاعم استخدام القوة أثناء أداء الواجب، وهو ما ظهر في الملاحظات الختامية للجنة الأمم المتحدة لعام 2026 بشأن الغابون، وإيطاليا، وباكستان، وطاجيكستان، كما أكد التقييم السنوي لعام 2026 للجنة منع التعذيب بمجلس أوروبا وجود إخفاق مستمر في تنفيذ التوصيات داخل مرافق الرعاية المغلقة وتطبيع كارثة اكتظاظ السجون، وحرمان الضحايا من الاستشارات القانونية والفحوصات الطبية المستقلة، بينما تمثل العامل الثالث في ترسيخ ثقافة القمع الاجتماعي وتجريد الضحية من إنسانيتها بوصفها إرهابياً أو خائناً أو مهاجراً غير شرعي، مما يخلق قبولاً مجتمعياً لعنف أجهزة الأمن ويحولها لأدوات انتقام.
وخلصت المنظمات في بيانها إلى أن تركيز الأمم المتحدة على النساء والفتيات يستهدف تعرية الخلفية الاجتماعية للتعذيب الذي يستغل مفاهيم العار والضغط على الأمومة والقدرة الإنجابية لتدمير الضحية، مؤكدة أن تحقيق العدالة للناجيات هو التزام قانوني صارم وواجب أخلاقي حتمي، لأن تبعات التعذيب لا تنتهي بتوقفه بل تترك ندوباً غائرة تدمر أجساد ونفسيات الضحايا وأسرهم لمخرجات تمتد لسنوات طويلة.







