من ذاكرة التاريخ اكتشاف البنسلين في 29 يونيو 1928 لإنقاذ ملايين الأرواح

تكشف صفحات السجلات العلمية من ذاكرة التاريخ عن واقعة تجسد مدى الإهمال والتقاعس الذي عانت منه البشرية بسبب تجاهل الاكتشافات الطبية المصيرية لسنوات طويلة، حيث تعود القصة إلى العالم الإسكتلندي ألكسندر فلمنج الذي ولد في 6 أغسطس 1881 وتوفي في 11 مارس 1955، والذي كان يعمل كعالم نباتات أحيائي وصيدلاني بارز يمتلك الكثير من الاكتشافات الطبية الهامة في مسيرته المهنية، وكان من أبرزها اكتشاف الإنزيم ليسوزوم في عام 1923، ورغم الإمكانيات الكبيرة والقدرات العلمية الهائلة التي أثبتها ألكسندر فلمنج بعد تخرجه مباشرة في المدرسة الطبية بالعاصمة البريطانية لندن، وانشغاله الطويل بدراسات التعقيم والتطهير، إلا أن المجتمع العلمي لم يمنحه التقدير المناسب أو الدعم اللازم لاستكمال أبحاثه الجادة التي كانت كفيلة بتغيير مسار البشرية وإنقاذ ملايين المرضى من الموت المحقق.تتضح معالم المأساة التاريخية عند التحاق ألكسندر فلمنج بالجيش خلال فترة الحرب العالمية الأولى، حسبما توثق الكتب القديمة، حيث صب جل اهتمامه على دراسة الجروح العميقة والعدوى البكتيرية الخطيرة التي كانت تحصد أرواح الجنود بالملايين في ساحات القتال، ولاحظ ألكسندر فلمنج في تلك الفترة البرود العلمي المحيط به. ورأى أن المطهرات التقليدية تؤذي خلايا الجسم البشري الحية وتدمرها بشكل أعنف وأكبر مما تؤذيها الميكروبات نفسها، مما دفعه للبحث عن بدائل طبيعية آمنة، حتى اهتدى في النهاية إلى مادة حيوية أطلق عليها اسم ليسوزيم، وهي مادة طبيعية يفرزها الجسم الإنساني للدفاع عن نفسه وتتكون من خليط من اللعاب والدموع، ورغم أهمية هذا الكشف العلمي إلا أنه قوبل بتجاهل تام وبرود شديد من المؤسسات الطبية الرسمية التي لم تعر أبحاثه أي اهتمام يذكر في تلك المرحلة.أما الاكتشاف العظيم والتحول الأكبر في تاريخ الطب فقد توصل إليه ألكسندر فلمنج من ذاكرة التاريخ في يوم 29 يونيو 1928، عندما تعرضت إحدى مزارع البكتيريا العنقودية في معمله الخاص للهواء الخارجي بطريق الخطأ وتسممت بالكامل، حيث لاحظ العالم الإسكتلندي بذكائه الفطري أن البكتيريا تذوب وتتلاشى تماماً حول الفطريات النامية في المزرعة التي أعدها في المختبر، واستنتج بشكل علمي دقيق أن هذه الفطريات تفرز مادة حيوية حولها، وأن هذه المادة قاتلة ومبيدة للبكتيريا العنقودية الخطيرة، ليقوم ألكسندر فلمنج بإطلاق اسم البنسلين على هذا العقار المستخلص من العفونة النامية، وأثبتت التجارب المعملية الأولية أن هذه المادة الحيوية الفعالة ليست سامة على الإطلاق للإنسان أو الحيوان مما يجعلها العلاج المثالي والآمن لكافة الأمراض.وتظهر الأبحاث المنشورة في عام 1929 حجم المأساة الطبية والإهمال الممنهج، حيث لم تلفت نتائج أبحاث ألكسندر فلمنج النظر أول الأمر، ورغم إعلانه الصريح أن هذا الاكتشاف العظيم من الممكن أن تكون له فوائد طبية خطيرة لإنقاذ البشرية، إلا أن المؤسسات العلمية والجهات التمويلية تقاعست بشكل غريب عن مساندته، ولم يستطع فلمنج بمفرده أن يجد التمويل الكافي أو أن يبتكر طريقة كيميائية معقدة لاستخلاص هذه المادة الحيوية أو تنقيتها بشكل تجاري واسع، وظل هذا العقار السحري مهملًا ومتروكًا على رفوف التجاهل لمدة 10 سنوات كاملة دون أن يستفيد منه مريض واحد في العالم، مما تسبب في استمرار حصد أرواح الملايين بسبب الأوبئة البكتيرية التي كان يمكن علاجها بسهولة فائقة لو توفر الدعم المالي والتقني اللازم لهذا العالم العبقري.
وفي عام 1930 تبدل المشهد قليلاً حين قرأ اثنان من الباحثين البريطانيين البارزين، وهما هوارد فلوري وأرنست تشين، ما كتبه ألكسندر فلمنج في أوراقه العلمية القديمة التي علاها الغبار عن اكتشافه الخطير، وقرر الاثنان على الفور إعادة نفس التجارب المعملية بدقة وجربا هذه المادة الحيوية المستخلصة على حيوانات المعمل للتأكد من فاعليتها المطلقة وقدرتها على سحق الميكروبات. وفي عام 1941 نجحا أخيراً في استخدام البنسلين الطبي على المرضى من البشر لتحقق التجارب الإكلينيكية نجاحاً باهراً غير مسبوق في تاريخ الطب الحديث متحدياً بيروقراطية العلم، ولأن عقار البنسلين قد أنقذ حياة ملايين الأرواح البشرية من الهلاك والعدوى القاتلة، فقد توجت هذه الجهود المتأخرة في عام 1945 بفوز ألكسندر فلمنج بجائزة نوبل في الطب، وشاركه فيها العالمين فلوري وتشين الذين ساعدا في تيسير الحصول على العقار وتصنيعه ليصبح مرتعاً لإنقاذ البشرية من براثن الموت الذي هددها طويلاً بسبب التقاعس العلمي المخزي الذي كاد أن يودي بحياة أمم بأكملها لولا هذا الإنجاز الذي أخرج الحقيقة إلى النور بعد طول ظلام وتهميش وتجاهل متعمد من الجميع. البنسلين ظل الوجه المشرق للانفراجة الطبية الكبرى في العالم كله دون أي منازع على مر التاريخ.







