د. أيمن نور يكتب: رحلة في اكتشاف الإنسان عبر أوهامه . مقدمة كتابي الجديد… الغبي

لا يولد الإنسان وفي يده الحقيقة، ولا يخرج إلى الدنيا مزودًا ببوصلة تهديه إلى نفسه. يولد بعينين مفتوحتين على العالم، وقلب يبحث عن الطمأنينة، وعقل يتعلم الأشياء كما يتعلم الطفل أسماء الألوان؛ يصدق أول ما يُقال له، ثم يكتشف بعد سنوات أن العالم لم يكن بسيطًا كما ظنه، وأن الحقيقة لم تكن تسير وحدها في الطريق، بل كانت تمشي دائمًا إلى جوار ظل طويل اسمه الوهم.
لست أكتب هذا الكتاب لأن البشر أغبياء، ولا لأنني أزعم امتلاك الحكمة التي حُرم منها الآخرون. فمن يظن أنه بلغ الحكمة النهائية، يكون قد خطا الخطوة الأولى بعيدًا عنها. وما هذه الصفحات إلا محاولة متواضعة لفهم تلك اللحظة الخفية التي يختلط فيها الصواب بالرغبة، واليقين بالخوف، والواقع بالصورة التي نحب أن نراها عنه. هناك، في تلك المنطقة الضبابية، تبدأ الحكاية التي أحاول تتبع أثرها.
كل إنسان يحمل في داخله أكثر من سيرة، وأكثر من صوت، وأكثر من وجه. وليس أصعب على المرء من أن يميز بين الوجه الذي صنعته التجربة، والوجه الذي صنعته المجاملة، والوجه الذي رسمه الخوف على مهل، حتى بدا كأنه الحقيقة نفسها. ولعل المأساة الكبرى أن الإنسان قد يقضي عمرًا كاملًا يدافع عن صورة لم يكن هو من رسمها، وإنما رسمتها يد خفية من تربية، أو بيئة، أو هزيمة، أو انتصار، ثم أقنعته بأنها صورته الوحيدة.
نحن لا نعيش داخل العالم وحده، بل نعيش داخل تفسيرنا للعالم. وما بين العالم كما هو، والعالم كما نراه، مسافة قد تكون أقصر من طرفة عين، وقد تكون أوسع من تاريخ أمة بأكملها. في هذه المسافة تنشأ العقائد، وتولد الخصومات، وتشتعل الحروب، ويولد الحب أيضًا. فالحقيقة وحدها لا تحرك البشر، وإنما الصورة التي يحملونها عنها.
لذلك لم يكن الوهم، في نظري، كذبة عابرة، ولا خدعة يتقنها المخادعون. الوهم أكثر رهافة من ذلك، وأكثر خطورة. إنه القدرة المدهشة التي يمتلكها الإنسان على أن يصنع لنفسه عالمًا يريحه، ثم ينسى، مع مرور الأيام، أنه هو الذي صنعه. وحين ينسى ذلك، يتحول الوهم من ضيف إلى صاحب بيت، ومن فكرة إلى عدسة، ومن عدسة إلى قدر.
وربما لهذا السبب، لم يخطر ببالي يومًا أن أكتب كتابًا عن الغباء بوصفه نقصًا في الذكاء. فالذكاء وحده لم يمنع حضارات من السقوط، ولم يحل دون أن يخطئ علماء، أو يتعصب فلاسفة، أو يستبد حكام، أو تخدع الجماهير نفسها بنفسها. كان ينقصهم شيء آخر؛ القدرة على أن يقف الواحد منهم، ولو مرة واحدة، أمام نفسه، دون محامٍ يدافع عنها، ودون جمهور يصفق لها، ودون مرآة تجاملها.
هذا الكتاب لا يفتش عن الغبي في الآخرين، لأن ذلك أسهل ما يمكن أن يفعله أي كاتب. إنه يفتش عن تلك البقعة التي قد يعبرها كل إنسان، مهما بلغ علمه أو خبرته أو مكانته، حين ينتصر الوهم على الحقيقة في داخله. فهناك، في تلك اللحظة الصامتة التي لا يسمعها أحد، يبدأ كثير من المصائر التي ظن الناس أنها بدأت في مكان آخر.
وإذا كانت هذه الرحلة ستقودنا إلى السياسة، فذلك لأن الإنسان يحملها معه حيثما ذهب. وإذا عبرت بنا إلى التاريخ، فلأن التاريخ هو السجل الطويل لأوهام البشر كما هو سجل إنجازاتهم. وإذا توقفت عند الفلسفة، فلأنها لم تكن يومًا إلا محاولة متجددة للإجابة عن سؤال قديم: كيف يرى الإنسان العالم، وكيف يرى نفسه؟ لكن البداية، والنهاية، ستظلان هنا… عند الإنسان.
لذلك، لا أدعوك في الصفحات القادمة إلى أن تبحث عن وجه تعرفه، ولا عن خصم تختلف معه، ولا عن زعيم تؤيده أو تعارضه. أدعوك إلى شيء أصعب كثيرًا: أن تسمح لهذه الرحلة بأن تمر، في هدوء، بينك وبين نفسك. فإن اكتشفت خلالها أن بعض ما ستقرأه يشبهك، فلا تتعجل الدفاع، ولا تتعجل الرفض. فربما كانت تلك هي اللحظة التي تبدأ فيها الحرية الحقيقية؛ يوم يمتلك الإنسان الشجاعة لأن يرى نفسه، قبل أن ينشغل برؤية الآخرين.
كل صفحة لا تجعل منك أكثر تواضعًا أمام نفسك… هي ليست صفحة من هذا الكتاب.







