شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: فصول من كتاب الغبي.. الوهم والمرايا المكسورة

فصول من كتاب الغبي (2)
الباب الثاني:-
الوهم… والمرايا المكسورة
الوجه الذي رسمه الآخرون
لا يصنع الإنسان صورته وحده. هذه حقيقة موجعة، لكنها لازمة لفهم الوهم في بداياته الأولى. نحن ندخل الحياة بلا مرآة داخلية، ثم يعيرنا الآخرون مراياهم؛ يبتسمون فنظن أننا مقبولون، يعبسون فنظن أننا خطأ، يمدحون فننتفخ، يخذلون فننكمش، ثم تمضي السنوات فإذا بنا نحمل وجوهًا كثيرة لا نعرف على وجه الدقة أيها لنا، وأيها استعير من عين عابرة، أو كلمة جارحة، أو مديح مسموم، أو خوف قديم.
في الطفولة، لا تكون الكلمات مجرد أصوات. الكلمة الأولى التي يسمعها الطفل عن نفسه قد تتحول إلى بذرة عمر كامل.
من قيل له إنه ذكي قد ينفق عمره في الدفاع عن صورة الذكاء أكثر مما ينفقه في طلب المعرفة. ومن قيل له إنه فاشل قد ينجح كثيرًا، ثم يظل في أعماقه يعتذر عن وجوده.
ومن وُصف بالشجاعة قد يخاف من الاعتراف بخوفه، لأن صورته أمام الناس صارت أقوى من صدقه مع نفسه.
هكذا لا تبقى الكلمات في الهواء، بل تدخل إلى الروح، وتجلس هناك كأنها من أهل البيت.
أخطر ما يفعله الآخرون بنا أنهم لا يكتفون برؤيتنا، بل يقترحون علينا كيف نرى أنفسنا.
الأسرة تقترح، والمدرسة تقترح، والجماعة تقترح، والسلطة تقترح، والهزيمة تقترح، والانتصار أيضا يقترح.
كل اقتراح، إذا تكرر طويلا، يصبح أقرب إلى الحقيقة. وقد يمضي الإنسان زمنًا طويلًا وهو يظن أنه يختار طريقه، بينما هو يسير في ممر ضيق بناه له خوف أبيه، أو رغبة أمه، أو صدمة معلمه، أو تصفيق جمهور لا يعرفه إلا من بعيد.
لذلك ليست الهوية دائمًا اكتشافًا بريئًا للنفس، بل قد تكون أحيانًا اتفاقًا صامتًا بين الإنسان ومن حوله على صورة نافعة أو مريحة أو مقبولة.
قد يرضى الإنسان بصورة البطل لأنها تمنحه حب الناس،
وقد يرضى بصورة الضحية لأنها تمنحه إعفاء داخليًا من المسؤولية.
وقد يرضى بصورة الحكيم لأنها تحميه من مشقة الاعتراف بالحيرة.
وفي كل مرة يختار الإنسان صورة على حساب حقيقته، يضيف قشرة جديدة إلى الوهم….
ثم يندهش بعد سنوات لأنه لم يعد يسمع صوته الأصلي الحقيقي.
ما أصعب أن يعيش الإنسان أسيرًا للمديح.
الذم مؤلم، لكنه يكشف جرحه بسرعة.
أما المديح فقد يكون قفصًا من حرير. يبدأ لطيفًا كنسمة، ثم يتحول إلى شرط قاس للبقاء في الصورة التي أحبها الناس.
فمن تعود أن يراه الناس قويًا قد يخجل من ضعفه،
ومن اعتادوا أن يسمعوه واثقًا قد يعجز عن قول لا أدري،
ومن صفقوا له طويلًا قد يكره الصمت، ولو كان الصمت هو الطريق الوحيد إلى الحقيقة.

هكذا يتحول الإنسان من صاحب حياة إلى ممثل في حياة صاغها الآخرون له.
لا يكذب بالضرورة، لكنه يواصل أداء دور لم يعد يعرف كيف يخرج منه.
قد يضحك لأن صورته تتطلب الضحك،
وقد يقسو لأن مكانته لا تحتمل اللين،
وقد يواصل معركة لم يعد يؤمن بها لأن الناس يرونه مقاتلًا، لا متراجعًا.
وما أكثر الذين يخسرون أنفسهم لا لأنهم فشلوا، بل لأنهم نجحوا لكن في الصورة الخطأ.

ولا يقتصر الأمر على الأفراد وحدهم. للأمم أيضا وجوه يرسمها الآخرون لها، ثم تكررها حتى تصدقها.
أمة يقال لها إنها وُلدت لتحكم،
وأخرى يقال لها إنها وُلدت لتطيع،
وثالثة تُحبس في تاريخ مجيد حتى تعجز عن بناء حاضر لائق،
ورابعة تُدفع إلى احتقار نفسها حتى تصير الهزيمة جزءًا من شخصيتها العامة.
وما يحدث للإنسان يحدث للمجتمعات؛ تبدأ الحكاية بصورة، ثم تصير الصورة خطابًا، ثم يصير الخطاب قدرًا سياسيًا وأخلاقيًا وثقافيًا.

في السياسة، تبلغ المرايا أقصى خطرها. فالحاكم لا يرى نفسه غالبًا كما هو، بل كما تعكسه مرايا المحيطين به.
والمعارض لا يرى نفسه دائمًا كما هو، بل كما تعكسه مرايا المظلومية أو البطولة أو الجماعة. والجمهور لا يرى الحقيقة عارية،
بل يراها عبر مرايا الخوف، والغضب، والانتماء، والاحتياج. لذلك لا يبدأ فساد السياسة دائمًا من كذب معلن، بل من صورة مريحة يتفق الجميع على تصديقها؛ الحاكم يصدق أنه ضرورة، والمعارض يصدق أنه وحده البديل، والجمهور يصدق أن خلاصه سيأتي من خارج وعيه.

وربما كان الغباء في أحد وجوهه الأولى هو عجز الإنسان عن التمييز بين صورته وحقيقته.
ليس الغبي هو من لا يعرف، بل من يتوقف عن السؤال لأن صورته تمنحه طمأنينة كاذبة.
قد يكون واسع الثقافة، حاضر الحجة، أنيق العبارة، لكنه إذا وقف أمام مرآته الداخلية فلم ير إلا ما يحب أن يراه، صار أقرب إلى الغباء مما يظن. فالغباء هنا ليس نقصًا في العقل، بل فائض في التصديق. تصديق النفس عندما تجامل نفسها. وتصديق الجمهور عندما يصفق. وتصديق الذاكرة عندما تحذف ما يؤلمها وتبقي ما يخدم غرورها.

من هنا تبدأ الرحلة الصعبة وهي:
أن يسأل الإنسان نفسه عن الصور التي يعيش داخلها. من منحني هذه الصورة؟ من يستفيد من بقائها؟
ماذا أخسر إذا غادرتها؟ وماذا أكتشف إذا رأيت نفسي بلا رتوش؟
ليست هذه أسئلة مريحة، لكنها ضرورية. فالتحرر لا يبدأ بإسقاط صورة الآخرين عنا فقط،
بل بإسقاط حاجتنا المرضية إلى صورة نهرب إليها كلما ضاقت الحقيقة بنا.

ولعل أشجع ما يفعله الإنسان في حياته أن يخلع عنه وجهًا أحبه الناس،
لأنه لم يعد يشبهه.
أن يقول: لقد تغيرت.
أو: لقد أخطأت.
أو: لم أعد أؤمن بما دافعت عنه طويلًا.
أو: كنت أرى نفسي كبيرًا لأن المرآة كانت صغيرة. هذه الجمل لا تصنع هزيمة، كما يتوهم كثيرون، بل تصنع بداية الإنسان الحقيقي. فالقوة ليست أن تحتفظ بالصورة نفسها إلى النهاية، بل أن تمتلك شجاعة خيانة الصورة من أجل الحقيقة.

لا يولد الوهم إذن من الظلام وحده، بل قد يولد من الضوء الزائد. من المديح الزائد، ومن الخوف الزائد، ومن الحب الزائد، ومن الانتماء الذي يتحول إلى قيد، ومن النجاح الذي يتحول إلى قناع. وما لم يتعلم الإنسان أن يشك قليلًا في صورته الجميلة، كما يشك في صورته القبيحة، سيظل عبدًا للمرآة التي تختاره، لا للوجه الذي يبحث عنه.

لهذا لا تكفي معرفة العالم من حولنا.
لا بد من معرفة الطريقة التي عرّفنا بها العالم إلى أنفسنا.
فبين الإنسان وحقيقته تقف وجوه كثيرة: وجه منحه له الخوف، ووجه صنعه الطموح، ووجه فرضه الآخرون، ووجه ارتداه طويلًا حتى التصق بملامحه. أما الوجه الذي يستحق البحث، فهو ذلك الذي يظهر بعد أن تنطفئ المرايا قليلًا، ويهدأ التصفيق، وتنسحب الجموع، ويبقى الإنسان وحده أمام سؤال بسيط ومزلزل:
ماذا يبقى مني إذا لم يرني أحد؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى