شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: لماذا أصبح إصلاح مرفق العدالة قضية وطنية؟ مصر الممكنة 2030 (30) منهكة. العدالة في مصر… أم ممكنة؟ (1)

ذات صباح بعيد، وقفت أمام إحدى المحاكم المصرية أتابع وجوه الداخلين والخارجين من أبوابها. لم يكن المشهد قانونيًا خالصًا كما قد يتصور البعض، بل كان مشهدًا إنسانيًا بامتياز. رجل يبحث عن ميراث معطل منذ سنوات، وأم تنتظر حكمًا في نفقة أنهكتها إجراءاتها، وشاب يحاول استرداد حق وظيفي ضاع بين المكاتبات والطعون، ومستثمر يراجع حساباته بعد أن تحولت قضية تجارية إلى رحلة طويلة بين درجات التقاضي. يومها أدركت أن العدالة ليست شأنًا يخص القضاة والمحامين ورجال القانون فقط، وإنما قضية تمس حياة المصريين جميعًا.

الخبرة القانونية وحدها لا تكفي لفهم معنى العدالة. فالنصوص تُدرّس في الجامعات، والأحكام تُقرأ في الكتب، أما العدالة الحقيقية فتُقاس بما يشعر به المواطن عندما يطرق باب المحكمة. هناك يبدأ الاختبار الحقيقي للدولة، وهناك تتحدد المسافة بين ما تنص عليه القوانين وما يعيشه الناس في واقعهم اليومي.

سنوات طويلة قضيتها بين المحاماة والعمل البرلماني والعمل العام، ثم جاءت تجارب أخرى أكثر قسوة وخصوصية، جعلتني أتعرف إلى وجوه متعددة لمنظومة العدالة؛ مرة من موقع المحامي، ومرة من موقع النائب الذي يشارك في صناعة التشريع، ومرة من موقع المتقاضي، ومرة من موقع السجين الذي يختبر بنفسه قيمة الضمانات القانونية عندما تصبح الحرية الشخصية على المحك.

لهذا لا أكتب هذه السلسلة باعتبارها دراسة أكاديمية مجردة، ولا باعتبارها مذكرة قانونية موجهة للمتخصصين فقط. أكتبها باعتبارها جزءًا من مشروع وطني أوسع عنوانه: كيف نبني مصر أكثر عدلًا وأكثر استقرارًا وأكثر قدرة على مواجهة المستقبل؟

الدول لا تنهار عادة بسبب نقص القوانين. فالتاريخ يخبرنا أن أكثر النظم استبدادًا كانت تملك قوانين، وأن أكثر الأنظمة فسادًا كانت تملك محاكم، وأن أكثر العصور اضطرابًا كانت تعج بالتشريعات واللوائح. الفارق الحقيقي كان دائمًا في وجود عدالة قادرة على تحويل النصوص إلى واقع، والقوانين إلى ضمانات، والدستور إلى عقد حقيقي بين الدولة والمجتمع.

لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل حديث عن التنمية أو الاستثمار أو الاستقرار السياسي هو: ماذا جرى لمرفق العدالة في مصر خلال العقد الأخير؟ وهل أصبحت العدالة أكثر قدرة على أداء دورها أم أكثر إنهاكًا تحت وطأة الأعباء والتحديات والتعقيدات المتراكمة؟

الإجابة لا يمكن أن تكون عاطفية أو انطباعية. فالعالم اليوم يملك أدوات دقيقة نسبيًا لقياس أداء منظومات العدالة. وهناك مؤشرات دولية متعددة تتابع سنويًا أوضاع سيادة القانون واستقلال القضاء وكفاءة المحاكم ومكافحة الفساد والشفافية والحقوق والحريات.

تقارير مشروع العدالة العالمي الخاصة بسيادة القانون خلال السنوات الأخيرة أظهرت تراجعًا ملحوظًا في ترتيب مصر مقارنة بعدد كبير من الدول. كما كشفت مؤشرات الشفافية الدولية ومؤشرات الحوكمة العالمية عن استمرار تحديات عميقة تتعلق بكفاءة المؤسسات، ووضوح الإجراءات، والثقة العامة في البيئة القانونية.

قد يختلف البعض حول دقة بعض هذه المؤشرات أو منهجياتها، وهو نقاش مشروع، لكن تجاهل الرسالة العامة التي تحملها سيكون خطأ فادحًا. فالمشكلة لا تكمن في رقم بعينه، بل في الاتجاه العام الذي يشير إلى وجود أزمة تحتاج إلى تشخيص وعلاج.

أخطر ما تواجهه منظومة العدالة ليس نقص الموارد ولا ازدحام المحاكم، وإنما تآكل الثقة العامة. فالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي نظام قضائي. والمحكمة التي يفقد الناس ثقتهم فيها تخسر جزءًا من قوتها المعنوية حتى لو ظلت أحكامها نافذة بقوة القانون.

خلال العقود الماضية كان القضاء المصري يمثل أحد أهم مصادر القوة الناعمة للدولة المصرية. أحكام المحكمة الدستورية العليا كانت تُدرَّس في الجامعات العربية. وقضاة مجلس الدولة المصري شاركوا في بناء أنظمة قانونية كاملة في المنطقة. والمحاكم المصرية كانت محل احترام واسع داخل وخارج البلاد.

هذا الرصيد التاريخي الكبير لم يأت من فراغ. بل صنعته أجيال متعاقبة من القضاة الذين آمنوا بأن العدالة رسالة قبل أن تكون وظيفة، وأن استقلال القاضي ليس امتيازًا شخصيًا بل حق للمواطن نفسه.

غير أن العقد الأخير شهد تحولات متسارعة فرضت ضغوطًا غير مسبوقة على هذا المرفق الحيوي. تضخم تشريعي واسع، وتزايد هائل في أعداد القضايا، وتوسع في اللجوء إلى الإجراءات الاستثنائية، وتعقيدات اقتصادية أثرت على مختلف مؤسسات الدولة، وتغيرات سياسية وأمنية ألقت بظلالها على المجال العام بأكمله.

أحد المؤشرات التي تستحق التوقف طويلًا أمامها يتمثل في ظاهرة خروج أعداد كبيرة من القضاة من الخدمة خلال سنوات قليلة. فالمعلومات المتداولة داخل الأوساط القضائية تشير إلى مغادرة أكثر من ألف وثلاثمائة قاضٍ لمواقعهم خلال فترة وجيزة نسبيًا، وهي ظاهرة لم يعرفها القضاء المصري بهذا الحجم من قبل.

الرقم في حد ذاته ليس هو القضية. القضية هي ما يكشفه من تغيرات أعمق تتعلق بجاذبية الوظيفة القضائية، والضغوط الاقتصادية، ومستقبل الكفاءات القضائية، وقدرة الدولة على الاحتفاظ بخبرات راكمتها عبر عقود طويلة.

العدالة ليست مباني محاكم فقط. العدالة قضاة ووكلاء نيابة ومحامون وخبراء وموظفون ومؤسسات. وعندما يتعرض أي ضلع من هذه الأضلاع للإنهاك، تتأثر المنظومة كلها بصورة أو بأخرى.

الملف الاقتصادي هنا لا يقل أهمية عن الملف القانوني. فالقاضي الذي يُطلب منه أن يكون مستقلًا وشجاعًا ومتحررًا من الضغوط يحتاج أيضًا إلى حياة كريمة تضمن له هذا الاستقلال. والتاريخ القضائي العالمي يعلمنا أن الاستقلال المالي كان دائمًا أحد شروط الاستقلال المؤسسي.

جانب آخر من الأزمة يتعلق بتراكم القضايا وبطء التقاضي. فالمحاكم المصرية تنظر ملايين القضايا سنويًا، وهو رقم يعكس حيوية المجتمع من ناحية، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم الضغط الواقع على المنظومة القضائية. وكل تأخير في الفصل في النزاعات يحمل تكلفة اقتصادية واجتماعية وسياسية لا يستهان بها.

المستثمر الذي ينتظر سنوات لحسم نزاع تجاري، والمواطن الذي ينتظر سنوات للحصول على حكم نهائي، والدولة التي تتأخر فيها دورة العدالة، جميعهم يدفعون ثمن هذا البطء بصورة أو بأخرى.

لذلك لم تعد العدالة قضية قانونية تخص رجال القانون وحدهم. إنها قضية تنموية بامتياز. فلا اقتصاد قوي بلا قضاء قوي، ولا استثمار مستدام بلا عدالة فعالة، ولا استقرار سياسي طويل الأمد في ظل تراجع الثقة في مؤسسات القانون.

التجارب الدولية الكبرى تؤكد هذه الحقيقة. فإصلاح العدالة كان جزءًا أساسيًا من النهضة الإسبانية بعد الانتقال الديمقراطي، وجزءًا من تحديث الدولة في فرنسا وإيطاليا، وجزءًا من التحول الاقتصادي في سنغافورة وكوريا الجنوبية، وجزءًا من المصالحة الوطنية في جنوب أفريقيا.

لم تبدأ تلك الدول من السؤال: كيف نبني محاكم أكثر؟ بل بدأت من سؤال أكثر عمقًا: كيف نجعل العدالة أكثر استقلالًا وكفاءة وشفافية وثقة؟

مصر ليست أقل قدرة من هذه الدول على خوض معركة الإصلاح. فلدينا تراث قانوني عريق، ومدارس قضائية محترمة، وكفاءات قانونية رفيعة المستوى، وتاريخ طويل من الاجتهاد القضائي المتميز. لكن امتلاك المقومات لا يغني عن الحاجة إلى الإرادة والرؤية.

لهذا يصبح إصلاح مرفق العدالة قضية وطنية لا قضية مهنية. قضية تتعلق بمستقبل الدولة لا بمستقبل القضاة وحدهم. قضية تمس المستثمر والعامل والطالب والمزارع ورجل الأعمال والموظف ورب الأسرة على السواء.

الطريق إلى مصر الممكنة يمر حتمًا عبر بوابة العدالة. فالدولة التي يشعر مواطنها أن حقه مصان، وأن حريته محمية، وأن القانون يطبق على الجميع، تمتلك من عناصر القوة ما يفوق كثيرًا ما تمنحه الثروات الطبيعية أو الموارد الاقتصادية.

صفحات هذا الباب ليست محاولة للبكاء على الماضي، ولا لتسجيل المواقف، ولا لتصفية الحسابات مع أحد. إنها دعوة إلى مراجعة جادة ومسؤولة، تنطلق من الإيمان بأن إصلاح العدالة ليس ترفًا مؤجلًا، بل شرطًا لازمًا لبناء الجمهورية التي يستحقها المصريون.

هناك دول أصلحت اقتصادها قبل أن تصلح عدالتها فتعثرت.

وهناك دول أصلحت عدالتها أولًا، فوجد الاقتصاد والسياسة والتنمية طريقها الطبيعي بعد ذلك.

وأحسب أن مصر، وهي تقترب من عام 2030، تحتاج إلى أن تجعل العدالة في مقدمة أولوياتها الوطنية.

يتبع:

العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (2)

مرفق العدالة في عقد مضطرب

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى