شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: مجلس وزراء ضياء! رسالة مفتوحة إلى وزير الإعلام

معالي الوزير… الزميل ضياء رشوان:
أوجه حديثي لك اليوم، كوزير، لا كزميل، واسمح لي أن أبدأ لا بالإجابة، وإنما بالأسئلة.

كم مساعدًا ومستشارًا يعمل داخل مكتبكم العامر؟
وكم تتكلف الدولة سنويًا لهذا الحشد من المساعدين والمستشارين والمنسقين؟

لن أسأل كم سيارة، وكم مكتبًا، وكم سكرتارية، وكم بدلات، وكم مكافآت، وكم سفريات، وكم ميزانية تشغيل يحتاجها هذا الجيش الإداري؟
وهل تستطيع دولة تطلب من مواطنيها أن يشدوا الأحزمة على بطونهم، أن تفسر لهم كيف تتسع الموازنة المديونة والمأزومة لكل هذه المناصب؟

وهل وظيفة وزير الإعلام أن يصنع إعلامًا حرًا… أم أن يدير مجلس وزراء مصغرًا داخل الوزارة؟

لست معنيًا هنا بالأشخاص، وبعضهم أعرفه، ومعظمهم لا أعرفه، رغم عملي لأكثر من 40 عامًا في الإعلام، ورغم هذا لا أملك سببًا للطعن في كفاءة أحد منهم، لكنني معني يا ضياء بفلسفة الإدارة العامة، وبالمبادئ الدستورية التي تحكم حسن استخدام المال العام، وبحق المواطن في أن يسأل:

لماذا هذا العدد؟

ولماذا هذا التشابه؟

ولماذا هذا التوسع الذي يبدو وكأنه معني بالمجاملات لا بالإنجازات؟

الصورة المتداولة المرفقة للهيكل الإداري تكاد تقول إن الوزارة تضم مساعدين للتواصل، ومساعدين للاتصال، ومساعدين للمتابعة، ومستشارين للسياسات، ومستشارين للمحتوى، ومستشارين للإعلام الإلكتروني، ومستشارين للصحافة المطبوعة، ومستشارين للاتصال العام، ورؤساء وحدات، ومنسقين، ووحدات للدراسات، ووحدات للأداء، ووحدات لحقوق الإنسان، ووحدات لقضايا اجتماعية، ووحدات لمكافحة التحرش، ووحدات لمكافحة المرض… حتى يخيل للمرء أنه أمام تشكيل حكومة كاملة، موازية، لا مكتب وزير حقيبة بلا وزارة.

والسؤال الإداري البديهي:
هل يمكن أن تقدم للرأي العام أي دراسة أُجريت، تثبت أن كل هذه المناصب ضرورة حقيقية؟

أم أننا أمام ثقافة بالية، ترى أن كل ملف جديد يستحق منصبًا جديدًا، وكل فكرة جديدة تحتاج مكتبًا جديدًا، وكل عنوان يصلح لأن يصبح إدارة مستقلة؟

والأكثر إثارة للتساؤل: ما هي الحدود بين كثير من هذه الاختصاصات التي تكاد تكون متشابهة لحد التطابق والتصادم؟

أرجو أن تفتينا مثلًا:

ما الفارق التنفيذي بين الاتصال المؤسسي، والاتصال العام، والتواصل الحكومي، والاتصال الرقمي؟

وأين يبدأ اختصاص السياسات الإعلامية، وأين ينتهي اختصاص الدراسات الإعلامية؟

وماذا ستفعل، إذا تعارضت الرؤى أو تداخلت الصلاحيات؟

لعل أحدًا لم يقل لك إن أبسط قواعد الإدارة الحديثة لا تُبنى على تكرار المسميات، وإنما على وضوح المسؤوليات.

ولو أن أي شركة خاصة أُديرت بهذا الحجم من التداخل، لكان أول قرار يصدر عنها هو إعادة الهيكلة.

وخد مثالًا أو أمثلة:

ملفات الاتصال بكل صورها يمكن أن يتولاها مساعد واحد.

وملفات الدراسات والسياسات والتطوير وتقييم الأداء يمكن أن تندمج في إدارة استراتيجية واحدة.

وملفات الإعلام التقليدي والإلكتروني والمحتوى الصحفي يمكن أن تخضع لإشراف موحد.

وهذا ليس فقط توفيرًا للنفقات، بل حمايةً للمؤسسة من تضارب الاختصاصات، ومن الصراع الصامت على مناطق النفوذ.

بعض المسميات تدعو إلى التأمل… وربما إلى الابتسام.
فما الحاجة إلى “منسق للتنظيمات النقابية” داخل وزارة إعلام؟ مع كل الاحترام والتقدير لشخص الزميل العزيز جمال… فهل أصبحت العلاقة بالنقابات ملفًا مستقلًا يحتاج منسقًا خاصًا، بينما النقابات نفسها هيئات مستقلة بحكم الدستور؟

وما العلاقة بين العمل الصحفي وبين تكليف صحفي بإدارة ملف التنظيمات النقابية؟

وهل اختير الرجل لأن خبرته في العمل النقابي استثنائية، أم لأن ثقافتنا الإدارية تؤمن بأن المنصب يُخلق أولًا ثم يُبحث له عن اختصاص؟

وكذلك الأمر بالنسبة لبعض المسميات الأخرى.

فهل تحتاج وزارة الإعلام إلى رئيس لوحدة لحقوق الإنسان؟!
بينما توجد مؤسسات وطنية مختصة بهذا الملف، يمكن التنسيق معها والاستفادة من خبراتها.

هل تحتاج إلى منسق مستقل لمكافحة التحرش، وآخر لمكافحة المرض، وهل بنفس المنطق، لماذا لا يكون لك مستشار للمخدرات وآخر لكل نوع من أنواع الجرائم المنتشرة؟!

ثم اسمح لي، سيادة الوزير، أن أطرح السؤال الأكبر وهو:
هل نحتاج أصلًا إلى وزارة للإعلام؟

هذا السؤال لم يعد ترفًا فكريًا.
فمعظم الديمقراطيات الحديثة تخلت منذ سنوات طويلة عن وزارة الإعلام، لأنها أدركت أن الإعلام لا يُدار بأوامر السلطة التنفيذية، وإنما تحكمه الاستقلالية، والتعددية، وهيئات التنظيم المستقلة، والقوانين الضامنة لحرية التعبير. لقد ألغت تلك الدول الوزارة، وأبقت على الإعلام.

أما نحن، فما زلنا نُبقي على الوزارة… ثم نُضيف إليها عشرات المكاتب والمساعدين والمستشارين.

ولا أثر لكل ذلك على حال الإعلام!

إن الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد المستشارين، وإنما بعدد القرارات الرشيدة.

ولا بعدد المنسقين، وإنما بوضوح خطوط المسؤولية.

ولا بعدد بطاقات التعارف، وإنما بحجم الإنجاز.

وكل جنيه يُنفق على منصب لا ضرورة له، هو جنيه يُقتطع من مدرسة، أو مستشفى، أو معاش، أو دعم دواء، أو فرصة عمل لشاب ينتظر مستقبله.

معالي الوزير…

ربما يكون الإصلاح الحقيقي المطلوب منك أكثر بساطة مما نتخيل.

هو الحرية واحترام مشاعر الناس.

فالدولة التي تطلب من الناس التقشف، مطالبة أولًا بأن تقدم لهم القدوة في ترشيد نفسها.

وعندها فقط… سيصدق المواطن أن شد الحزام يبدأ من أعلى، لا من بطون الفقراء فقط.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى