في ذاكرة التاريخ.. حسب الله الكفراوي أبو المدن الجديدة ووزير الغلابة الذي واجه حيتان الأسعار

تزخر الذاكرة التاريخية المصرية بسير رجالات وطنيين حفروا أسماءهم بحروف من نور في وجدان الشعب، ومن أبرز هؤلاء القامات الذين يخلدهم التاريخ المهندس حسب الله الكفراوي، الوزير الذي خرج من رحم الشعب المصري البسيط وظل متمسكًا بقيم الكرامة الاجتماعية والعدالة وحق الشباب في السكن الكريم، حيث يُعد الكفراوي نموذجًا استثنائيًا للمسؤول المتواضع الذي إذا نظرت إليه تجد فيه سمات الموظف الكادح المخلص وليس الوزير المتعالي، مما جعله يستحق عن جدارة لقبي “أبو المدن الجديدة” و”وزير الغلابة”، تاركًا خلفه إرثًا ضخمًا من النزاهة وطهارة اليد وبناء المجتمعات العمرانية التي أنقذت ملايين البسطاء.
ولد هذا المهندس والسياسي الفذ في قرية كفر سليمان التابعة لمركز كفر سعد بمحافظة دمياط في 22 نوفمبر 1930، وتوفي في 5 أغسطس 2021 عن عمر ناهز 91 سنة، قضاها في العمل الدؤوب وبناء البنية التحتية للدولة، وتدرج في مناصب قيادية رفيعة قبل جلوسه على مقعد الوزارة، حيث عمل كمدير للمشروعات بوزارة الكهرباء، ثم تولى رئاسة الجهاز التنفيذي لمشروعات تعمير مدن القناة فور انتهاء حرب أكتوبر 1973، ليتم تعيينه بعد ذلك محافظًا لدمياط في نوفمبر 1976، وصعد إلى قمة العمل التنفيذي ليتولى منصب وزير الإسكان والتعمير لمدة 16 سنة متواصلة من سبتمبر 1977 وحتى أكتوبر 1993، كما شغل منصب رئيس هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة عام 1980، وانتخب نقيبًا لمهندسي مصر عام 1991.
واستحق الكفراوي لقب “أبو المدن الجديدة” لأنه تولى الإشراف المباشر على إطلاق وتأسيس الجيل الأول من المدن العمرانية الجديدة في مصر، وحينما غادر منصبه الوزاري كان قد نجح في تدشين 17 مدينة جديدة بدأ العمل فيها بالتوازي في وقت واحد لتخفيف التكدس عن الوادي الضيق، ومن أبرز هذه المدن: مدينة السادات، والعاشر من رمضان، و15 مايو، و6 أكتوبر، ودمياط الجديدة، ومنطقة مراقيا بالساحل الشمالي، بالإضافة إلى تأسيس 6 مناطق تعميرية كبرى في إقليم قناة السويس والساحل الشمالي وشبه جزيرة سيناء، وكان يمتلك رؤية استراتيجية ثاقبة تهدف إلى نقل كافة الوزارات والمقرات الحكومية إلى مدينة السادات لتفريغ العاصمة وتخفيف الضغط المروري والسكاني التام عن محافظة القاهرة.
وتتعدد الإنجازات القومية التي حققها هذا الوزير التاريخي، حيث لم يقتصر دوره على تشييد المدن الجديدة بمجتمعاتها الصناعية المتكاملة، بل امتد ليشمل إنشاء ميناء دمياط الجديدة الذي بدأ تأسيسه وافتتحه رسميًا في 26 يوليو 1986، وتأسيس ميناء الدخيلة في محافظة الإسكندرية، كما أسس بنك التعمير والإسكان عام 1978 لتوفير التمويل العقاري الميسر لوحدات الشباب، ونجح في بناء 2 مليون وحدة سكنية مخصصة بالكامل لمحدودي الدخل، ويُعد الكفراوي أول من وضع الخطوات التنفيذية وبدأ العمل في مشروع الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى، وأشرف على الدراسة الشاملة لتعمير الساحل الشمالي عام 1977 وبناء قرى مراقيا ومارابيلا ومارينا، وهو المهندس الحقيقي الذي صمم ونفذ شبكة البنية التحتية والمشروع الرئيسي لصرف صحي القاهرة الكبرى.
وجاءت السرية التامة والعمل الصامت كأبرز سمات شخصيته، حيث كان يرفض الظهور الإعلامي والتقاط الصور وملاحقة “الترندات”، واشتهر بوقوفه الحازم ضد الممارسات الاحتكارية، وفي لقاء تلفزيوني شهير له مع قناة الجزيرة، تحدث بغضب عارم وفضح آليات السوق السوداء وغلاء الأسمنت غير المبرر، مستنكرًا بيع متر أرض التعاونيات للشباب في مدينة 6 أكتوبر بمبلغ 14 جنيهًا بينما يصل في الأحياء الراقية إلى 35 جنيهًا، متسائلًا بقوة “لمصلحة من هذا الغلاء في الأسعار؟”، مما جعله يواجه حيتان السوق دفاعًا عن محدودي الدخل، وهو الأمر الذي جعل مفتي الجمهورية ينعاه رسميًا واصفًا إياه بأنه نموذج فريد في العطاء الوطني والنزاهة الإدارية التي عز نظيرها.
وحصد الكفراوي خلال مسيرته العديد من الأوسمة والرفيعة تكريمًا لإخلاصه، ومنها وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى، ووسام بطولة العمل من الاتحاد السوفييتي، ووسام الجمهورية من الطبقة الأولى، ووسام الاستحقاق الفرنسي من الطبقة الأولى، وتواصلت مسيرة تقديره في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي عبر إطلاق اسمه على مشروع قومي ضخم وهو “محور حسب الله الكفراوي” في جنوب القاهرة، والذي يربط بين مناطق المعادي والمقطم وشرق القاهرة لتخفيف الزحام المروري، وجرى تنفيذ امتداد جديد للمشروع خلال الأعوام 2023-2025 حمل اسم “محور شمال طرة” ليصل حتى طريق مصر أسيوط الزراعي، ليرحل الوزير البشوش عن دنيانا في الشاليه الخاص به بقرية مراقيا بالساحل الشمالي تاركًا سيرة عطرة ونموذجًا وطنيًا يحتذى به في البناء النزيه والشرف المهني.







