د. أيمن نور يكتب: مرفق العدالة في عقد مضطرب . مصر الممكنة 2030 (31) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (2)

يعرف المصريون جيدًا معنى أن يمرض التعليم، وأن تتعثر منظومة الصحة، وأن تواجه الإدارة العامة أزمات متراكمة. لكن أزمة العدالة تختلف عن كل ذلك. فحين يمرض التعليم يتضرر جيل، وحين تتعثر الخدمات تتأذى فئة أو منطقة، أما حين يصيب الإرهاق منظومة العدالة فإن أثره يمتد إلى المجتمع كله، لأن العدالة ليست قطاعًا من قطاعات الدولة، بل هي المظلة التي تحمي الجميع.
العقد الأخير كان من أكثر العقود اضطرابًا في تاريخ الدولة المصرية الحديثة. تغيرات سياسية حادة، وانقسامات اجتماعية عميقة، وتحديات أمنية غير مسبوقة، وأزمات اقتصادية متلاحقة، وحروب إقليمية ألقت بظلالها على المنطقة بأكملها. وفي خضم هذه العواصف وجدت منظومة العدالة نفسها في قلب المشهد، تتحمل أعباء تتجاوز كثيرًا ما صُممت له في ظروف أكثر استقرارًا.
سنوات طويلة من العمل العام جعلتني أراقب العلاقة بين السياسة والقانون من مواقع متعددة. داخل البرلمان، وخارجه. من موقع المدافع عن تشريع، ومن موقع المعترض عليه. من موقع المتقاضي، ومن موقع المحامي. ومن خلال هذه التجارب كلها ترسخت لدي قناعة أساسية: العدالة المصرية لم تفقد قيمتها، لكنها تعرضت لإرهاق شديد، تمامًا كما يتعرض الجسد القوي لإجهاد متواصل يفوق طاقته الطبيعية.
الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود أزمة، فالأزمات جزء من حياة الدول. الخطر يكمن في الاعتياد عليها، وفي اعتبارها أمرًا طبيعيًا لا يحتاج إلى مراجعة أو إصلاح. وهذا ما يجب أن نتجنبه ونحن نتحدث عن مرفق العدالة.
كثير من النقاشات العامة تنحصر في قضية بعينها أو قانون بعينه أو حكم قضائي بعينه، بينما المشكلة أوسع بكثير. فالأزمة ليست في قرار منفرد أو في نص تشريعي محدد، وإنما في تراكم طويل من الضغوط التي أثرت على كفاءة المنظومة وثقة المواطنين فيها.
أول هذه الضغوط يتعلق بالتضخم التشريعي. فالدولة المصرية أصدرت خلال السنوات الأخيرة عددًا كبيرًا من القوانين والتعديلات القانونية بوتيرة غير مسبوقة. وبعض هذه التشريعات كان ضروريًا بالفعل لمواجهة ظروف استثنائية، لكن كثرة التشريعات وسرعة تعديلها أوجدت حالة من التعقيد القانوني جعلت المواطن العادي، بل وأحيانًا المشتغل بالقانون نفسه، يحتاج إلى جهد مضاعف لمتابعة التغيرات المتلاحقة.
القانون الجيد ليس القانون الأكثر عددًا، بل القانون الأكثر استقرارًا ووضوحًا. فكلما ازداد الاستقرار التشريعي ازدادت قدرة المواطنين والمؤسسات على فهم حقوقهم وواجباتهم والتصرف على أساسها.
الضغوط الثانية جاءت من التوسع الهائل في أعداد القضايا المعروضة على المحاكم. فالنمو السكاني الكبير، وتعقيد العلاقات الاقتصادية، وتزايد المنازعات الإدارية والتجارية، كلها عوامل أدت إلى تضخم غير مسبوق في حجم العمل القضائي.
خلف كل رقم في سجلات المحاكم قصة إنسان أو مؤسسة أو أسرة. وحين تتكدس الملفات لا تتراكم الأوراق فقط، بل تتراكم معها حقوق مؤجلة وأحلام معلقة ومشروعات متوقفة.
جانب آخر من الإرهاق أصاب العنصر البشري نفسه. فالقاضي المصري الذي كان يمثل لعقود نموذجًا للاستقرار المهني والاجتماعي وجد نفسه، مثل بقية فئات المجتمع، في مواجهة ضغوط اقتصادية متزايدة. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تبدأ الأوساط القانونية تتحدث للمرة الأولى بهذا الوضوح عن استقالات متزايدة وخروج أعداد كبيرة من القضاة من الخدمة.
الدولة التي تفقد خبراتها القضائية تخسر أكثر من مجرد موظفين كبار. إنها تخسر سنوات طويلة من التراكم المهني والذاكرة المؤسسية والخبرة الإنسانية التي لا يمكن تعويضها بسهولة.
أكثر ما يلفت الانتباه في هذا المشهد أن الأزمة لم تعد محصورة داخل أسوار المحاكم. فانعكاساتها وصلت إلى الاقتصاد والاستثمار والإدارة العامة وحتى إلى صورة الدولة نفسها في الخارج.
المستثمر لا يقرأ النصوص الدستورية فقط، بل يراقب سرعة الفصل في النزاعات، واستقرار التشريعات، وكفاءة تنفيذ الأحكام. والمؤسسات الدولية لا تكتفي بقياس معدلات النمو الاقتصادي، بل تراقب كذلك مؤشرات سيادة القانون واستقلال القضاء وكفاءة المؤسسات العدلية.
لهذا السبب لم يعد إصلاح العدالة ملفًا حقوقيًا فقط، ولا قانونيًا فقط، ولا سياسيًا فقط. لقد أصبح ملفًا اقتصاديًا وتنمويًا واستراتيجيًا من الدرجة الأولى.
السنوات الأخيرة شهدت أيضًا توسعًا ملحوظًا في الاعتماد على الإجراءات الاستثنائية لمواجهة تحديات استثنائية. وهذه ظاهرة ليست مصرية خالصة؛ فقد عرفتها دول كثيرة واجهت الإرهاب أو الحروب أو الأزمات الكبرى. لكن الخبرة الدولية تؤكد أن الإجراءات الاستثنائية مهما كانت مبرراتها يجب أن تبقى استثنائية، لأن تحويل الاستثناء إلى قاعدة يترك آثارًا عميقة على المدى الطويل.
التجارب المقارنة تقدم دروسًا مهمة في هذا المجال. فإسبانيا بعد عقود من الإرهاب، وجنوب أفريقيا بعد نظام الفصل العنصري، وإيطاليا في مواجهة المافيا، وفرنسا بعد موجات الإرهاب المعاصر، جميعها واجهت معضلة التوازن بين الأمن والحرية. ولم تكن الإجابات متطابقة، لكنها اشتركت جميعًا في حقيقة واحدة: لا أمن مستدامًا دون عدالة موثوقة.
أكثر ما يقلقني في أي نقاش حول العدالة هو اختزاله في الصراع بين السلطة والمعارضة أو بين الحكومة والحقوقيين. فهذه زاوية ضيقة للغاية. العدالة أكبر من الجميع، وأبقى من الجميع. والضرر الذي يصيبها لا يدفع ثمنه فريق سياسي بعينه، بل تدفعه الدولة بأكملها.
مصر تملك رصيدًا قضائيًا هائلًا لا يجوز التفريط فيه. يكفي أن نتذكر أن أحكام المحكمة الدستورية العليا كانت مرجعًا في العالم العربي، وأن مجلس الدولة المصري ساهم في بناء مدارس قانونية كاملة، وأن القضاء المصري أنجب أسماء أصبحت جزءًا من التاريخ القانوني العربي الحديث.
لهذا فإن الحديث عن إرهاق مرفق العدالة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تشكيكًا في القضاء، بل دفاعًا عنه. فالمؤسسات الكبرى لا تحافظ على مكانتها بإنكار المشكلات، وإنما بمواجهتها بشجاعة وإصلاحها قبل أن تتفاقم.
مصر الممكنة التي نحلم بها في عام 2030 تحتاج إلى قضاء أكثر استقلالًا، وإلى تشريعات أكثر استقرارًا، وإلى محاكم أكثر كفاءة، وإلى ثقة عامة أوسع في منظومة العدالة. وهذه الأهداف ليست أمنيات نظرية، بل شروط أساسية لأي مشروع نهضة حقيقي.
ما نحتاجه اليوم ليس مجرد إصلاحات جزئية متفرقة، بل رؤية متكاملة تعيد تعريف العدالة باعتبارها أحد أعمدة الأمن القومي المصري، وأحد أهم مقومات التنمية والاستقرار والشرعية السياسية.
ولهذا فإن السؤال لم يعد: هل توجد أزمة؟
السؤال الحقيقي أصبح: هل نمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بحجمها، والإرادة الكافية لمعالجتها؟
تلك هي نقطة البداية الحقيقية لأي مشروع جاد لإصلاح مرفق العدالة في مصر.
الحلقة التالية:
استقلال القضاء… من الضمانة الدستورية إلى التحدي الوطني







