د. أيمن نور يكتب: غياب الدليل… ومحاكم التفتيش . أدعوك لمناظرة… رسالة إلى جميل عفيفي

قرأت مقالك المنشور في جريدة الأهرام بعنوان «الشيطان يعظ». ولم أكن أنوي الرد، ليس لأن ما ورد فيه فاجأني بقدر ما أضحكني، ولا لأنني أضيق بالنقد ممن لا أعرفه، ولا يعرفني، فمن يعمل في الهم العام، عليه أن يتسع صدره للاختلاف.
لكنني قررت أن أكتب احترامًا للأهرام، لا احتجاجًا على كاتب فيها، وتقديرًا للقارئ، وحده الذي يستحق أن يسمع الرواية الأخرى، وأن يفرق بين المقال الذي يناقش الأفكار، والمقال الذي يكتفي بمحاكم التفتيش لأصحابها.
اختلف معي كما تشاء، فهذا حقك الكامل، لكن ما استوقفني أن مقالك لم يناقش فكرة واحدة من أفكاري. لم يناقش مشروعًا سياسيًا، ولا كتابًا مثل «مصر الممكنة 2030»، ولا مبادرة مثل مبادرة «المصير المشترك 2035»، ولا ما كتبته عن الملف الاقتصادي، أو ملف إصلاح مرفق العدالة أو التعليم أو النقل أو الزراعة أو قضايا الحريات.
يا جميل، لم أجد في مقالك قولًا واحدًا جميلًا أو حجة واحدة وازنة في مواجهة حجة، ولا رقمًا في مواجهة رقم، ولا مشروعًا في مواجهة مشروع، بل وجدت انتقالًا سريعًا من مناقشة الأفكار إلى محاكم التفتيش في نوايا الأشخاص.
ليست هذه هي الصحافة التي تعلمنا احترامها. فالصحافة لا تزداد قوة كلما ارتفع إطلاق الاتهام على عواهنه، وإنما كلما ارتفعت مصداقية الدليل.
فالكاتب لا يصبح كذلك لأنه يستخدم أوصافًا قاسية، بل لأنه يمنح القارئ حقه في الوقائع قبل تحويل كل مقال لمنصة لإطلاق الأحكام.
وصفتني بالفيلسوف والمنظّر، وسخرت من مبادراتي وكتاباتي، وهذا حقك. لكن كان الأكثر إنصافًا أن تناقش فكرة واحدة مما أكتب قبل أن تحكم عليّ بما لم تقرأ أصلًا.
يا جميل وعفيف “الاسم”، الأفكار لا تُهزم بالسخرية، وإنما بالنقد. والمشروعات لا تُسقط بالأوصاف المعلبة، وإنما بإثبات قصورها. أما أن تُترك الأفكار كلها جانبًا، ويصبح صاحبها هو القضية، فذلك انتقال من ميدان الفكر إلى ميدان الخصومة والشخصنة.
قلت إنني لم أقدم مشروعًا سياسيًا حقيقيًا. والحقيقة أن القارئ وحده هو صاحب الحق في الحكم على ذلك. فمنذ زمن وأنا أكتب مشروع «مصر الممكنة 2030»، وأطرح رؤى في الاقتصاد والعدالة والإدارة والإعلام والزراعة والنقل والتعليم، وقد يراها البعض صائبة أو يرفضها آخرون، لكن تجاهل وجودها لا يلغي وجودها، كما أن عدم الاتفاق معها لا يغني عن مناقشتها.
أما حديثك عن الديمقراطية، فأظن أن أول امتحان للديمقراطية هو قبول وجود الآخر المختلف. لا أحد يملك حق احتكار الوطنية، كما لا أحد يملك حق توزيع شهادات الانتماء. فمن حق كل مواطن أن يعبر عن رأيه، وأن يطرح بديلًا، وأن ينتقد السلطة، ما دام يفعل ذلك في إطار سلمي وقانوني.
هذه ليست منحة من أحد، بل جوهر أي حياة سياسية سليمة.
تناولت في مقالك مواقفي السياسية وتحالفاتي، وهي موضوعات يختلف حولها الناس بطبيعتهم. لكن المقال لم يقدم، في صورته المنشورة، أدلة أو وقائع جديدة يمكن للقارئ أن يبني عليها حكمًا، بل اكتفى بإطلاق استنتاجات سياسية/أمنية حادة لا تليق بوقار الأهرام، فالفرق كبير بين الاختلاف في قراءة المواقف، وبين تحويل الاختلاف نفسه إلى اتهام بلا دليل.
أما استدعاؤك لاجتماع أزمة سد النهضة قبل سنوات طويلة، فهو مثال على العودة إلى صورة قديمة مشوهة بدل مناقشة الواقع والحقيقة.
يا جميل، كان ذلك اجتماعًا رسميًا دعت إليه مؤسسة الرئاسة، وشارك فيه عدد من الشخصيات العامة من اتجاهات مختلفة. وكان الاجتماع مغلقًا، ومن الطبيعي أن تختلف التقييمات لما جرى فيه، لكن تحويل مجرد المشاركة في اجتماع رسمي إلى دليل إدانة دائمة لا يجيب عن السؤال الأهم:
ماذا تعلمت الدولة، بكل مؤسساتها، من تلك المرحلة؟
وكيف تمكنت بعد 13 عامًا من إدارة هذا الملف بصورة أفضل؟ فالقضايا الوطنية لا تُحل بإعادة إنتاج مشاهد الماضي، بل ببناء سياسات للمستقبل.
وتحدثت عن قناة الشرق، ومن حقك أن تختلف مع خطها التحريري أو تنتقد أداءها. لكن النقد المهني يقتضي مناقشة المادة المنشورة، وتفنيد ما يراه الكاتب خطأً فيها، لا الاكتفاء بأوصاف عامة. فالإعلام، كغيره، يُقوَّم بالمحتوى، وبالدقة، وبالمهنية، وبحق الجمهور في المعرفة.
ثم طرحت تساؤلات حول الثروة والإمكانات المادية. ومن حيث المبدأ، لا اعتراض لدي على أي سؤال يتعلق بالشأن العام إذا استند إلى معلومات موثقة يمكن مناقشتها. أما الاكتفاء بطرح الأسئلة على نحو يوحي بوجود وقائع من دون عرض ما يسندها، فإنه يترك القارئ أمام انطباعات لا أمام حقائق، وهذا ليس في مصلحة الكاتب ولا القارئ ولا الأهرام ولا المهنة.
أما حديثك عن 30 يونيو، فأنا لا أطلب من أحد أن يتبنى قراءتي لها، ولا أفرض على أحد أن يقرأها بعيني. لكنني أؤمن أن الأوطان لا تبنى على رواية واحدة، وأن المجتمعات القوية هي التي تسمح بتعدد القراءات، ثم تحتكم في النهاية إلى الحوار والدستور وصندوق الاقتراع وسيادة القانون، لا إلى التخوين والإقصاء.
ما نحتاجه اليوم، بعد كل هذه السنوات، ليس أن نبقى أسرى الانقسام، بل أن نسأل: كيف نبني دولة أكثر عدلًا؟ كيف نعيد الثقة بين الدولة والمجتمع؟ كيف نجعل الاقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج؟ وكيف نضمن استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وكرامة المواطن؟ هذه هي الأسئلة التي تستحق أن نتجادل حولها، لا أن نبقى أسرى معارك الماضي.
إذا قبلت…
أدعوك لمناظرة على الهواء مباشرة، أو سمِّها حوارًا حول المستقبل.
يا جميل وعفيف الاسم، أنا لا أكتب هذه الرسالة دفاعًا عن نفسي بقدر ما أكتبها دفاعًا عن فكرة أؤمن بها:
أن الكلمة مسؤولية، وأن الصحافة المصرية، بتاريخها الكبير، خاصة الأهرام، تستحق أن تكون ساحة لحوار الأفكار، لا ساحة لتبادل الاتهامات نتجاوزها على السوشيال.
فمن حق الكاتب أن ينتقد، ومن حقي أن أرد، ومن حق القارئ أن يجد أمامه رأيين متقابلين، لا رواية واحدة تقدم نفسها باعتبارها الحقيقة المطلقة.
سأظل أختلف مع السلطة حين أرى أنها أخطأت، وسأختلف مع المعارضة حين أراها تخطئ، لأن ولائي ليس لفريق سياسي، وإنما لمصر التي أريدها دولة قانون، وعدالة، وحرية، وتنمية، ومؤسسات قوية. ولن أعتبر يومًا أن النقد خيانة، كما لن أعتبر أن التخوين يمكن أن يكون بديلًا عن الحوار.
يا أستاذ جميل وعفيف الاسم، لا أطلب منك أن تتفق معي، فهذا ليس مطلوبًا. كل ما أطلبه أن نعيد الاعتبار إلى قيمة الدليل، وأن نمنح الفكرة فرصة قبل أن نحاكم صاحبها، وأن نتذكر جميعًا أن اختلافنا في السياسة يجب ألا يحرمنا من احترام الآخر والحقيقة، ولا من احترام القارئ، ولا من احترام مصر التي تستحق منا جميعًا خطابًا أرقى من خطاب الاتهام، وأقرب إلى روح الحوار التي تبني الأوطان ولا تهدمها.







