مداهمات أمنية غاشمة تستهدف منزل ناشطتين مدنيتين في قلب العاصمة طهران

في تصعيد جديد لسياسات التضييق الأمني الممنهج ضد الأصوات المعارضة والنشطاء المدنيين، أقدمت قوات الأمن الإيرانية على تنفيذ عملية مداهمة غاشمة لمنزل الناشطتين صبا كردافشاري ووالدتها راحله أحمدي، وذلك بالتزامن مع استدعائهما الهاتفي للمثول أمام نيابة ناحية 33 في طهران، المعروفة بـ “نيابة الشهيد مقدس” داخل مجمع سجن إيفين سيئ السمعة. ولم تكتفِ القوات الأمنية بمجرد التفتيش، بل عمدت إلى العبث بمحتويات المنزل ومصادرة مقتنيات شخصية حساسة وأجهزة إلكترونية رقمية، بما في ذلك جهاز استقبال الإنترنت عبر الأقمار الصناعية “ستارلينك”، في واقعة تفتقر لأدنى درجات المشروعية القانونية أو التبريرات الرسمية الواضحة.
وتشير التفاصيل الميدانية الموثقة إلى أن عملية المداهمة تمت في وقت كانت فيه الناشطتان خارج المنزل، حيث استغل عناصر الأمن غيابهما لاقتحام خصوصية المكان والقيام بعملية تفتيش واسعة النطاق لم يُعلن عن مسوغاتها حتى اللحظة، وسط صمت مطبق من الأجهزة القضائية والأمنية التي ترفض الكشف عن طبيعة الاتهامات الموجهة لهما أو الملفات القضائية التي يجري حبكها في الظلام. يأتي هذا الإجراء التعسفي ليؤكد استمرار سياسة الترهيب المتبعة ضد النشطاء، حيث يتم استدعاؤهم هاتفياً دون إخطارات رسمية مكتوبة أو تفاصيل قانونية، مما يضعهم في حالة من الترقب والقلق الدائم من عمليات الاعتقال القسري التي باتت سمة يومية في المشهد الإيراني.
تعد صبا كردافشاري واحدة من أكثر الشخصيات صموداً في وجه سياسات القمع الموجهة ضد الحريات الشخصية، لا سيما نشاطها البارز ضد قانون الحجاب الإجباري، وهو ما جعلها هدفاً دائماً للملاحقات الأمنية. لقد ذاقت كردافشاري مرارة الاعتقال السياسي سابقاً، حيث صدر بحقها حكماً أولياً صادماً بالسجن لمدة 24 عاماً، في محاولة لإخراس صوتها، ورغم تخفيف الحكم لاحقاً إلى 5 أعوام في مرحلة الاستئناف، إلا أن الإفراج عنها لم ينهِ ملاحقتها من قبل الأجهزة الأمنية التي تتربص بها وبوالدتها.
أما والدتها راحله أحمدي، فلم تكن بمعزل عن هذه الملاحقات، فقد تعرضت بدورها للاعتقال بتهم أمنية ملفقة تهدف إلى تقويض نشاطها المدني، وعانت خلال فترة احتجازها السابقة من ظروف إنسانية قاسية، وحُرمت من تلقي الرعاية الطبية الضرورية رغم معاناتها من مشكلات صحية متفاقمة. إن تكرار هذه الممارسات ضد العائلات التي تنشط في المجال الحقوقي والمدني يعكس حجم الاحتقان الأمني الذي تعيشه طهران، حيث تتحول المنازل الخاصة إلى أهداف للمداهمات لمجرد الاختلاف في الرأي أو التعبير عن رفض القوانين المجحفة.
إن هذه العمليات التي تفتقر للشفافية وتتم في غياب تام للأطر القضائية العادلة، تثير تساؤلات حقيقية حول استقلالية الجهاز القضائي ومدى تحوله إلى أداة في يد الأجهزة الأمنية لقمع النشطاء. إن مصادرة الأجهزة الرقمية والإنترنت الشخصي تُعد محاولة يائسة لقطع صلة النشطاء بالعالم الخارجي ومنع توثيق الانتهاكات التي تتم بحقهم. وفي ظل استدعاءات هاتفية غامضة من قبل نيابة ناحية 33، يظل مصير صبا كردافشاري ووالدتها راحله أحمدي معلقاً في مهب الريح، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من سيناريوهات أمنية تستهدف كسر إرادة الناشطين المدنيين في إيران.
تظل هذه الوقائع شاهداً حياً على تدهور حالة الحقوق والحريات، حيث لا يُسمح للنشطاء بالعيش في أمان داخل منازلهم، ويصبح التفتيش والمصادرة جزءاً من طقوس القمع اليومي. وتأتي هذه المداهمات كرسالة تهديد واضحة لكل من يحاول الخروج عن النص أو الاعتراض على السياسات الرسمية، مما يفرض على المجتمع الحقوقي الدولي ضرورة تسليط الضوء على هذه التجاوزات التي تحول الحياة المدنية في طهران إلى رحلة محفوفة بالمخاطر الأمنية الدائمة.







