تقرير حقوقي يكشف توظيف العنف الجنسي كسلاح حرب منظم ضد نساء السودان

فجر تقرير حقوقي مشترك صادر عن منظمة “Rights for Peace” بالتعاون الوثيق مع مركز المرأة والسلام والأمن بجامعة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE)، مفاجأة مدوية حول طبيعة الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في الأراضي السودانية، حيث أكد التقرير الصادم أن العنف الجنسي المرتبط بالصراع الدامي في السودان لم يعد مجرد انتهاكات فردية أو حالات معزولة جرت في غمرة الأحداث، بل تحول بالكامل إلى نمط متكرر وممنهج وسلاح حرب يجري توظيفه مع كل موجة من موجات الصراع المسلح، مستغلاً في ذلك مناخاً عاماً يسوده غياب المساءلة وإفلات المجرمين التام من العقاب، فضلاً عن الانهيار الكامل لآليات الحماية المخصصة للنساء والفتيات اللاتي تركن فريسة للانتهاكات الجسيمة.
وجاء التقرير القانوني تحت عنوان حاسم وهو “العنف الجنسي المرتبط بالنزاع ليس أمراً حتمياً: استراتيجيات تتمحور حول الناجيات والناجين لمنع العنف الجنسي في السودان”، ليوثق بوضوح كيف تواجه النساء والفتيات هناك عنفاً متصاعداً بشكل مرعب مع استمرار المعارك الطاحنة، إذ يتعرضن لانتهاكات وحشية تشمل النزوح القسري والاعتداءات الجسدية المباشرة في ظل غياب الحماية القانونية والأمنية، الأمر الذي وضعهن في قلب أزمة إنسانية متفاقمة هي الأسوأ في تاريخ البلاد الحديث، وحث التقرير على تبني حزمة استراتيجيات دولية ومحلية عاجلة تضع الضحايا والناجين في صميم جهود التوثيق والمساءلة القانونية الجنائية لمنع تكرار هذه الفظائع.
واستند التقرير في قضاياه المثارة إلى مقابلات وشهادات حية ومباشرة جرت مع ناجيات سودانيات يقطن حالياً في مخيمات اللجوء بدول تشاد وأوغندا وجنوب السودان، وخلصت نتائج التوثيق إلى أن تلك الاعتداءات تمثل جريمة متكررة ومتجذرة ارتبطت بالنزاعات المتعاقبة التي شهدتها الدولة السودانية، وفجر التقرير واقعاً مأساوياً مروعاً يشير إلى أن بعض النساء اللاتي تعرضن للاعتداءات والانتهاكات خلال الحرب الحالية، سبق وأن وقعن ضحايا لانتهاكات مماثلة تماماً في نزاعات وحروب سابقة شهدتها البلاد، مما يعكس بوضوح دائرية الجريمة واستمرار الجناة في ارتكاب الفظائع دون أي خوف من الملاحقة القضائية.
وطالبت المنظمات الحقوقية بضرورة تعزيز الوعي المجتمعي الشامل، وتفعيل دور القيادات الأهلية والدينية والمجتمعية بشكل فوري للحد من الوصمة الاجتماعية القاسية والعزلة التي تواجهها الناجيات في بيئاتهن المحلية، وهي الوصمة التي تمثل عائقاً رئيساً يمنع كثيراً من الضحايا من الإبلاغ الرسمي عن الانتهاكات أو طلب الدعم الطبي والنفسي، كما شدد التقرير على أهمية إشراك تلك القيادات لضمان حصول الضحايا على الحماية الفورية والدعم المعنوي والقانوني، مع توفير ممرات آمنة للعدالة الناجزة التي تضمن معاقبة المتورطين بشكل رادع.
وتتطابق الأنماط والجرائم التي جرى توثيقها في هذا التقرير، وبشكل تفصيلي مخيف، مع حالات العنف الجنسي المرتبط بالصراع والتي تم رصدها بدقة في ولاية الجزيرة منذ اندلاع الصراع المسلح في 15 أبريل 2023، وذلك من حيث أساليب ارتكاب الجرائم والظروف المأساوية التي وقعت فيها، بما يشمل شن هجمات وحشية منسقة ضد المدنيين العزل، ومداهمة المنازل والبيوت الآمنة، وعمليات النزوح القسري تحت تهديد السلاح، واستهداف أماكن لجوء السكان الفارين من جحيم المعارك، مما يؤكد وجود غطاء يغذي هذه الممارسات.
وأوضح التقرير بشكل قاطع أن غياب العدالة الناجزة والمحاسبة الدولية يمثل السبب الأبرز والدافع الأساسي وراء تكرار هذه الجرائم البشعة في كل نوبة صراع، مشدداً على ضرورة الإسراع في إجراء تحقيقات دولية مستقلة، نزيهة وفعالة، وتقديم جميع القادة والمسؤولين عن تلك الانتهاكات الصارخة إلى المحاكم الجنائية، مع كفالة تامة لوصول الناجيات إلى الخدمات الصحية الطارئة، والنفسية المكثفة، والقانونية المجانية، واعتماد نهج إنساني صارم لا يتسامح مع الجناة.







