رياضةملفات وتقارير

العراقية ملاك الطائي تحصد لقب أقوى امرأة عربية لـ 4 سنوات متتالية

تكشف المسيرة الرياضية للاعبة العراقية ملاك الطائي عن حجم المعاناة والإهمال المؤسسي الذي تواجهه الرياضة النسائية، حيث نجحت ابنة مدينة ميسان جنوبي العراق في شق طريق استثنائي وعر وسط بيئة عشائرية ومحافظة للغاية، لتتوج في النهاية بلقب “أقوى امرأة عربية” في ألعاب القوة، مبرهنة على إرادة فولاذية قهرت بها غياب الدعم الحكومي والقيود الاجتماعية الصارمة التي تفرضها العادات والتقاليد في مدينة العمارة. بدأت رحلة ملاك الطائي منذ مرحلة الدراسة المتوسطة عبر ممارسة الأنشطة المدرسية، لكن شغفها الحقيقي تفجر بركوب الدراجات الهوائية في وقت كان يُنظر فيه لخروج الفتاة بدراجة كأمر غير مألوف تماما وصادم للأعراف السائدة، إلا أنها تحدت تلك النظرات المجتمعية القاسية وكانت تخرج ليلا لتجوب الشوارع وتتحدى الرياح، رافضة الاستسلام لأسوار الممنوع التي تفرضها البيئة المحلية لتصنع فصلا مجيدا يؤكد كفاءة الفتاة العربية.
وتشير التفاصيل الموثقة في مسيرتها إلى أنها انتقلت لاحقا إلى رياضة كرة السلة محققة نتائج لافتة في بطولات المدارس، قبل أن تتزوج في سن 16 سنة من لاعب كرة سلة محترف، وهو ما مثل نقطة انطلاق جديدة عززت من ارتباطها بالرياضة والمطالبة بحق المرأة في التواجد بالساحات الرياضية. أسست ملاك الطائي بعد ذلك أول قاعة رياضية نسائية متخصصة في مدينة العمارة، ومن داخل هذا المشروع الخاص بدأت فصلا جديدا من التحدي عندما أدخلت رياضة “الكابادي” وهي لعبة شعبية شهيرة في دول جنوب آسيا والهند، حيث شكلت فريق “ميسان” النسائي المكون من 7 لاعبات فقط، وتولت بنفسها مهام الإدارة والتدريب الفني، لتصعد بالفريق إلى مصاف المنتخبات الوطنية وتقوده للمشاركة في محافل محلية دولية شملت دولا مثل لبنان وإيران، محققة المركز 3 محليا، والمركز 3 في بطولة إيران، والمركز 2 في بطولة لبنان.
ويفضح هذا التقرير الواقع المرير الذي عانته البطلة العراقية في مواجهة الموانع الاجتماعية, حيث اضطرت للقيام بزيارات ميدانية شخصية لعائلات اللاعبات لإقناعهم بالسماح لبناتهم بالممارسة الرياضية، ووصل الأمر إلى توقيع تعهدات خطية قانونية تحملها المسؤولية الكاملة عن سلامة اللاعبات أثناء السفر خارج المحافظة. ولم تقتصر المعوقات على الجانب الاجتماعي بل اصطدمت ملاك الطائي بانهيار تام في منظومة الدعم المادي والمعنوي من جانب الاتحادات الرياضية الرسمية في العراق، مما دفعها للابتعاد مجبرة عن المنافسات الرسمية لفترات، حيث تحملت بشكل كامل وشخصي كافة التكاليف المالية الباهظة للمشاركات الخارجية والتضحية بأموالها الخاصة لتأمين مستلزمات فريقها في ظل تقاعس الجهات الرسمية المسؤولة عن تقديم أي مساعدة ملموسة تذكر، وهي الأزمات التي تفضح آليات عمل المنظومة برمتها.
وتحولت القاعة الرياضية الخاصة بملاك الطائي إلى منصة لإنقاذ الرياضة النسائية، حيث بدأت تنظيم مسابقات داخلية في رفع الأثقال وألعاب القوة برصد جوائز رمزية من جيبها الخاص، وشهدت الفعاليات إقبالا نسائيا واسعا، وجاءت نقطة التحول الكبرى عندما تلقت دعوة رسمية للمشاركة في بطولة ألعاب القوة بدولة لبنان، لتقتنص المركز 1 من أول مشاركة لها لتثبت جدارتها الفنية المطلقة، مما فتح أمامها أبواب المجد الرياضي، وانضمت لاحقا للاتحاد العربي للألعاب الشعبية والتراثية كممثلة شرعية للعراق، ونجحت في إدراج ألعاب شعبية تراثية عراقية ضمن الأنشطة الإقليمية وصياغة برامج مخصصة للمرأة على مستوى الوطن العربي بالكامل.
وواصلت البطلة العراقية سحق كافة العراقيل محققة سلسلة ألقاب متتالية في تونس وإيران والعراق، مستحوذة على لقب “أقوى امرأة عربية” لمدة 4 سنوات متتالية، ليعود اسم ملاك الطائي ويتردد بقوة في النسخة 11 من بطولة أقوى امرأة عربية التي احتضنتها مدينة العمارة بمشاركة واسعة من 7 دول عربية. وتكشف البطلة عن تفاصيل تمثلت في قيامها بتصنيع الأدوات الرياضية الخاصة بالألعاب الشعبية محليا وعلى نفقتها الخاصة نتيجة النقص الحاد في الإمكانيات، مؤكدة أن عائلتها كانت السند الوحيد لها أمام تجاهل المؤسسات الرسمية، مما مكنها من التوفيق بين مسؤولياتها الكثيرة كأم ورياضية ومدربة وصاحبة مشروع متميز.
وتستعد ملاك الطائي حاليا، وتحديدا في هذا التوقيت من شهر يونيو 2026، لخوض غمار تحد دولي جديد عبر المشاركة في بطولة مرتقبة بدولة ماليزيا، واضعة نصب عينيها انتزاع لقب عالمي جديد يضاف لسجلها المرصع بالإنجازات، وموجهة رسالة حاسمة بأن المرأة العراقية تمتلك قوة جبارة قادرة على تفتيت كافة القيود والتقاليد البالية، وأن ما حققته يمثل بداية لطموحات لا تنتهي في عالم الرياضة النسائية. يظهر هذا التقرير المتكامل بوضوح كيف تصنع الإرادة الفردية المعجزات الحقيقية في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الدعم والمساندة المؤسسية المطلوبة بشدة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى