
في العلاقات الدولية لا تُقاس الاتفاقيات بما تعلنه من عناوين، بل بما تخفيه من أدوات تنفيذ. فالتاريخ يعلمنا أن معظم الاتفاقات التي أعادت رسم خرائط النفوذ لم تبدأ بإملاءات صريحة، بل بعبارات قانونية مرنة، قابلة لإعادة التفسير كلما تبدلت موازين القوى.
من هنا، لا تبدو المشكلة الأساسية في اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، وفق ما هو متداول، في مبدأ وقف الأعمال العسكرية، بل في البنية القانونية للنص، وفي المساحات الواسعة التي يتركها للتأويل، ولا سيما في البند الثالث عشر الذي يتحدث عن “حسن النية” و”وقف الأعمال العدائية أو السلبية”.
هذه ليست مجرد مفردات دبلوماسية. إنها مصطلحات مفتوحة، لا تحمل تعريفًا قانونيًا واحدًا، بل تتغير دلالاتها تبعًا للجهة التي تملك القوة لفرض تفسيرها.
وهنا يكمن الخلل الاستراتيجي.
فإسرائيل لا تنظر إلى الأمن باعتباره غياب إطلاق النار فقط، بل تعتبر أن أي فعل سياسي أو إعلامي أو أمني أو حتى اقتصادي يمكن أن يندرج ضمن مفهوم “التهديد”. هذه العقيدة الأمنية توسعت عبر العقود حتى أصبحت تبرر الضربات الاستباقية، والاغتيالات، وفرض الوقائع الميدانية تحت عنوان الدفاع عن النفس.
فإذا انتقلت هذه العقيدة إلى تفسير البند الثالث عشر، يصبح السؤال مشروعًا: من الذي سيحدد أن هذا الفعل اللبناني عدائي؟ وهل يكفي الادعاء الإسرائيلي حتى تتحول الدولة اللبنانية إلى طرف متهم بخرق الاتفاق؟
إن غياب تعريف دقيق لعبارة “الأعمال العدائية” يخلق ما يسمى في القانون الدولي بمنطقة الرماد القانوني؛ وهي المساحة التي لا يحسمها النص، فيملؤها ميزان القوة. وفي هذه المنطقة، لا تنتصر الحجج القانونية، بل ينتصر الطرف القادر على فرض روايته سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا.
والأخطر من ذلك هو الحديث عن ملاحق أمنية غير معلنة. فالتجربة الدولية تؤكد أن النصوص العلنية كثيرًا ما تكون الإطار السياسي، بينما تتحول الملاحق التنفيذية إلى المرجعية الفعلية التي تضبط حركة الجيوش، وآليات المراقبة، وحقوق التدخل، وحدود السيادة. لذلك فإن أي نقاش جدي حول الاتفاق يبقى ناقصًا ما لم تُكشف هذه الملاحق للرأي العام وللمؤسسات الدستورية.
إن الدولة التي تدخل اتفاقًا من دون معرفة كامل التزاماتها، تشبه من يوقع عقدًا بعد قراءة صفحته الأولى فقط.
والسؤال الأخطر لا يتعلق بإسرائيل وحدها، بل بالمجتمع الدولي نفسه. فإذا وقع خلاف حول تفسير البند الثالث عشر، فمن المرجح أن تكون الرواية الإسرائيلية أكثر قدرة على الحشد السياسي والإعلامي، في حين يجد لبنان نفسه مطالبًا بإثبات البراءة بدلًا من المطالبة بحقوقه. وهنا يتحول النص من أداة لتنظيم العلاقة إلى أداة لإدارة الضغوط على الدولة اللبنانية.
إن الاتفاقات المتوازنة تقوم على قاعدة بسيطة: وضوح الالتزامات، وتكافؤ الضمانات، ووجود هيئة مستقلة لحسم النزاعات. أما إذا بقيت المفاهيم فضفاضة، والضمانات غائبة، وآليات التفسير غير محددة، فإن الاتفاق يصبح عرضة لأن يتحول إلى وسيلة لإعادة تعريف السيادة اللبنانية وفق الرؤية الأمنية الإسرائيلية.
إن لبنان لا يحتاج إلى اتفاق يوقف الحرب اليوم ليترك بابها مفتوحًا غدًا من خلال التأويل القانوني. بل يحتاج إلى اتفاق يمنع احتكار تفسير النصوص، ويحمي حقه في ممارسة سيادته الكاملة، ويضمن ألا تتحول عبارة مثل “حسن النية” إلى التزام أحادي، ولا عبارة “الأعمال العدائية” إلى مظلة قانونية تمنح إسرائيل حق الاعتراض على كل قرار سيادي لبناني.
إن الدول لا تفقد سيادتها دائمًا بالاحتلال العسكري، بل قد تفقد جزءًا منها عندما توقع على نصوص غامضة تسمح للطرف الأقوى بأن يصبح القاضي والمفسر والمنفذ في آن واحد.
لذلك، فإن البند الثالث عشر ليس مجرد بند قانوني، بل هو نقطة ارتكاز استراتيجية تستحق نقاشًا وطنيًا واسعًا، لأن مستقبل الاتفاق قد يُحدد ليس بما كُتب فيه، بل بالطريقة التي سيُفسَّر بها لاحقًا.







