د. أيمن نور يكتب: استقلال القضاء… ضمانة أم تحدٍّ؟.مصر الممكنة 2030 (32) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (3)

لم يكن استقلال القضاء يومًا مطلبًا خاصًا بالقضاة، ولم يكن امتيازًا مهنيًا لفئة بعينها داخل الدولة. فالقاضي المستقل ليس مصلحة للقاضي، بل ضمانة للمواطن. والمجتمع لا يدافع عن استقلال القضاء دفاعًا عن أصحاب المنصة، وإنما دفاعًا عن حقه هو في أن يجد يومًا قاضيًا لا سلطان عليه إلا القانون وضميره.
هذه الحقيقة البسيطة كانت وراء كل التطورات الكبرى التي شهدها الفكر الدستوري الحديث منذ أكثر من ثلاثة قرون. فالدولة الحديثة لم تقم على فكرة تداول السلطة فقط، ولا على فكرة الانتخابات فقط، بل قامت قبل ذلك على فكرة أكثر جوهرية؛ وهي منع تركيز السلطة في يد جهة واحدة.
حين كتب مونتسكيو نظريته الشهيرة حول الفصل بين السلطات لم يكن يكتب درسًا أكاديميًا في القانون الدستوري، بل كان يحاول الإجابة عن سؤال سياسي وإنساني بالغ الأهمية: كيف نحمي الحرية من السلطة؟
جاءت الإجابة في توزيع السلطة بين مؤسسات متعددة، بحيث تراقب كل سلطة الأخرى وتحد من تغولها. ومن هنا أصبح القضاء المستقل أحد أهم أعمدة الدولة الحديثة، لأنه الجهة الوحيدة المكلفة بالفصل بين المواطن والسلطة عندما يختلفان.
قيمة القاضي لا تظهر عندما يحكم بين شخصين متساويين في النفوذ والقوة، وإنما تظهر عندما يقف أمامه مواطن بسيط من جهة، وسلطة تمتلك المال والإدارة والقوة من جهة أخرى. هنا فقط يظهر المعنى الحقيقي لاستقلال القضاء.
لهذا السبب كانت الأمم المتقدمة تتعامل مع استقلال القضاء باعتباره جزءًا من أمنها القومي. فالدولة التي يفقد مواطنوها الثقة في عدالة قضائها تفقد تدريجيًا جزءًا من شرعيتها، حتى لو امتلكت أضخم المؤسسات وأقوى الأجهزة.
مصر عرفت مبكرًا قيمة هذه الفكرة. فمنذ تأسيس القضاء الحديث بدأت تتشكل تقاليد قضائية راسخة، وأصبح استقلال القاضي جزءًا من الثقافة المهنية للقضاء المصري. ولم يكن هذا الاستقلال كاملًا أو مطلقًا في كل المراحل، لكنه ظل قيمة مركزية دافعت عنها أجيال متعاقبة من القضاة.
صفحات التاريخ القضائي المصري مليئة بمحطات مضيئة وقف فيها القضاء مدافعًا عن القانون في مواجهة ضغوط السياسة أو الإدارة أو الرأي العام. وهذه الصفحات هي التي صنعت الهيبة المعنوية الكبيرة التي تمتع بها القضاء المصري لعقود طويلة.
أذكر أنني خلال سنوات عضويتي في مجلس الشعب كنت أتابع باهتمام شديد كل ما يتعلق بالسلطة القضائية. لم يكن ذلك فقط بحكم تكويني القانوني، بل لأنني كنت أرى بوضوح أن مستقبل الديمقراطية في مصر مرتبط إلى حد بعيد بمستقبل استقلال القضاء.
التجربة البرلمانية علمتني أن التشريعات مهما بلغت جودتها تظل ناقصة إذا لم تجد قضاءً مستقلاً يطبقها. كما أن النصوص الدستورية مهما بدت متقدمة يمكن أن تتحول إلى حبر على ورق إذا غابت المؤسسة القادرة على حمايتها.
السنوات الأخيرة شهدت نقاشات واسعة داخل مصر وخارجها حول أوضاع السلطة القضائية وحدود استقلالها. بعض هذه النقاشات كان قانونيًا، وبعضها سياسيًا، وبعضها حقوقيًا. لكن القاسم المشترك بينها جميعًا كان القلق من اتساع المسافة بين النصوص الدستورية والممارسة العملية.
القضية هنا لا تتعلق بحكم قضائي بعينه أو بقرار إداري محدد. فاستقلال القضاء لا يقاس بواقعة منفردة، وإنما بالمناخ العام الذي يعمل داخله القاضي، وبمدى شعوره بالأمان المهني، وبقدرته على اتخاذ قراره بحرية كاملة دون خشية أو ضغوط.
أحد المؤشرات المهمة في هذا السياق يتمثل في أوضاع القضاة أنفسهم. فالقاضي الذي يعيش ضغوطًا اقتصادية متزايدة، أو يشعر بعدم الاستقرار المهني، أو يفقد الثقة في مستقبله الوظيفي، يصبح أكثر عرضة للتأثر بالظروف المحيطة مهما بلغت نزاهته الشخصية.
لهذا ربطت كثير من التجارب الدولية بين استقلال القضاء والاستقلال المالي للمؤسسة القضائية. فالحماية الاقتصادية ليست رفاهية، بل جزء من ضمانات الاستقلال ذاته.
التجربة الإيطالية تقدم مثالًا مهمًا في هذا المجال. فبعد عقود من الصراع مع الجريمة المنظمة والفساد السياسي، أدركت الدولة أن نجاح القضاء في أداء دوره يتطلب توفير حماية مؤسسية كاملة للقضاة وأعضاء النيابة، سواء من الضغوط الأمنية أو الاقتصادية أو السياسية.
أما فرنسا، التي استلهمت منها مصر جانبًا مهمًا من نظامها القانوني، فقد خاضت لعقود طويلة نقاشًا مستمرًا حول استقلال القضاء والنيابة العامة والعلاقة بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية. ولم تتوقف عملية التطوير هناك حتى اليوم.
القضية في جوهرها ليست مصرية فقط، لكنها تكتسب في الحالة المصرية أهمية خاصة بسبب المكانة التاريخية التي احتلها القضاء المصري داخل المجتمع.
من أخطر المؤشرات التي تستحق التأمل خلال السنوات الأخيرة ظاهرة خروج أعداد كبيرة من القضاة من الخدمة، سواء عبر الاستقالة أو التقاعد المبكر أو الانتقال إلى مسارات أخرى. فالدول لا تخسر فقط عندما تفقد أموالها أو مواردها، بل تخسر أيضًا عندما تفقد خبراتها.
كل قاضٍ يغادر المنصة بعد سنوات طويلة من العمل يغادر ومعه رصيد هائل من المعرفة والتجربة والذاكرة المؤسسية. ولهذا فإن الحفاظ على الكفاءات القضائية يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي مشروع إصلاح جاد.
الحديث عن استقلال القضاء لا يكتمل دون التوقف أمام المحكمة الدستورية العليا ومجلس الدولة وسائر الهيئات القضائية التي لعبت أدوارًا محورية في حماية المشروعية وسيادة القانون عبر عقود طويلة.
أحكام المحكمة الدستورية العليا في فترات ازدهارها، وخاصة خلال رئاسة المستشار عوض المر، شكلت مدرسة قانونية كاملة في الدفاع عن الحقوق والحريات. وما زالت كثير من هذه الأحكام تُقرأ حتى اليوم باعتبارها نماذج راقية للاجتهاد الدستوري.
كما أن مجلس الدولة المصري قدم عبر تاريخه نماذج استثنائية في الرقابة على الإدارة والدفاع عن المشروعية، وكان في كثير من الأحيان خط الدفاع الأخير عن مبدأ خضوع السلطة للقانون.
استقلال القضاء ليس قضية تخص القضاة وحدهم، كما أن إصلاح القضاء لا يمكن أن يترك للقضاة وحدهم. إنها قضية مجتمع كامل. لأن المجتمع كله هو المستفيد الأول من وجود قضاء قوي ومستقل، وهو الخاسر الأول إذا تعرض هذا الاستقلال للتآكل.
مصر الممكنة التي نحلم بها عام 2030 تحتاج إلى قضاء يشعر المواطن أنه ملاذه الطبيعي لا ملاذه الأخير. وتحتاج إلى قاضٍ مطمئن إلى استقلاله، ومحامٍ مطمئن إلى حقه في الدفاع، ومواطن مطمئن إلى أن القانون أقوى من النفوذ.
ومن هنا فإن إصلاح العدالة يبدأ من استعادة الثقة في استقلال القضاء، باعتباره ليس فقط ضمانة دستورية، بل ضرورة وطنية تتعلق بمستقبل الدولة نفسها.
فالاقتصاد يحتاج إلى قضاء مستقل.
والاستثمار يحتاج إلى قضاء مستقل.
والحريات تحتاج إلى قضاء مستقل.
والاستقرار يحتاج إلى قضاء مستقل.
أما الدولة التي تريد أن تدخل المستقبل بثقة، فلا بد أن تجعل استقلال القضاء أحد أهم مشروعاتها الوطنية الكبرى.
الحلقة التالية: العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (4)
النيابة العامة… خصم شريف أم طرف في الأزمة







