شباك نورمقالات وآراء

د. تامر المغازي يكتب: سراب في صحراء السياسة: حراس السراب (7)

تاجر الواحة يبيعك الوهم.

تاجر الخريطة يرسم لك الطريق إليه.

لكن من يحرس السراب بعد أن يسكنه الناس؟ هنا يظهر حراس السراب.

من هم حراس السراب؟

هم ليسوا من صنع الوهم، لكنهم أهم منه.

السراب يسقط لو تُرك وحده. لكن الحارس يجعله عقيدة.

الحارس قد يكون مثقفًا باع قلمه مقابل مقعد في ظل الواحة، أو إعلاميًا يحول الرمل إلى ذهب على الشاشة، أو حتى مواطنًا عاديًا اكتشف أن راتبه مرتبط ببقاء السراب، فصار أشرس من صانعه.

حراس السراب لا يناقشون، يجلدون. وظيفتهم ليست إقناعك، بل تخويفك من المغادرة.

أسلحة الحراسة

فسلاح التخوين لكل من يشير للسراب يصبح “عميلًا للعطش”، التهمة جاهزة قبل السؤال.

وسلاح الذاكرة المثقوبة يذكرك الحراس كل يوم بظلم الأمس، كي لا تسأل عن جوع اليوم.

فيصبح الماضي سجنًا يحرس الحاضر.

وسلاح الأمل المؤجل: “اصبروا، النهر قادم بعد الانتخابات… بعد المؤتمر… بعد الخطة الخمسية العاشرة”.

التأجيل حرفتهم، واليأس ممنوع لأنه يكشف الفراغ.

وهناك سلاح القطيع، يصرخ الحارس: “كلنا هنا”.

فتخجل أن تكون وحدك العاقل.

يصبح الكذب مريحًا لأنه جماعي.

فلماذا يتحول الضحية إلى حارس؟

لأن الاعتراف بأنك خُدعت موجع.

الأسهل أن تحرس الكذبة من أن تواجه نفسك.

الحارس كان عطشانًا يومًا ما، فدخل الواحة.

ولما اكتشف الحقيقة، قرر أن يبني سورًا حولها بدل أن يخرج.

بعضهم يحرس السراب لأنه بنى بيته فوقه.

لو اعترف أنه رمل، سيسقط السقف على رأسه.

فصار يكذب بنية البقاء، لا بنية الشر.

ولكن ما هي نقطة ضعف الحارس؟

فالحارس قوي أمام الجماعة، ضعيف أمام السؤال الفردي الهادئ.

لا تسأله أمام الناس فيصرخ.

اسأله وهو وحده: “هل تشرب أنت من هذا الماء؟”

حراس السراب لا يشربون منه، هم يسقونك ويحتفظون بقارورة الحقيقة لأنفسهم.

قوتهم كلها في أن تظل أنت عطشانًا وتظنهم رواة.

سقوط الحراسة

فالسراب لا يموت بالرصاص، يموت بالضحك.

يسقط حين يتحول من “مقدس” إلى “مادة للسخرية”.

ويسقط الحارس حين يجد الناس ماءً آخر.

لا تحتاج أن تهدم الواحة المزيفة.

فقط احفر بئرًا حقيقية بجوارها.

العطاشى سيغادرون وحدهم، وسيبقى الحارس يصرخ في الفراغ.

أخطر من صانع الوهم، هو من يستفيد من بقائه.

تجار الواحة يرحلون، تجار الخرائط يتبدلون، لكن حراس السراب يقاتلون حتى الرمق الأخير… لأنهم لو سقط السراب، سقطوا معه.

لذلك، قبل أن تحارب السراب، فتش عن حارسه.

واسأله: لماذا تخاف من ظمئي إن كان ماؤك حقيقيًا؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى