الاستخبارات الداخلية الألمانية تكشف بالأرقام مؤامرات التجسس الأجنبي وتصاعد الإرهاب بالبلاد

أعلن المكتب الاتحادي لحماية الدستور في ألمانيا، والمعروف بجهاز الاستخبارات الداخلية الألمانية، في تقريره السنوي الشامل المكون من نحو 450 صفحة لعام 2025، والذي تم استعراض تفاصيله يوم الثلاثاء 30 حزيران 2026 في العاصمة برلين، عن حقائق صادمة تحيط بالأمن القومي للبلاد وتكشف حجم التهديدات المحدقة بالدولة من الداخل والخارج على حد سواء، متمثلة في تصاعد عمليات التجسس، والهجمات السيبرانية، وتنامي الفكر المتطرف اليميني واليساري والإسلاموي، وهي التطورات الخطيرة التي تضع الأجهزة الأمنية في مواجهة مباشرة لحماية الديمقراطية والتماسك الاجتماعي ضد مخاطر حقيقية غير مسبوقة.
وأوضحت البيانات الرسمية الصادرة عن الاستخبارات الداخلية الألمانية تسجيل نحو 59 ألف جريمة ذات خلفية متطرفة خلال عام 2025، بزيادة قوامها 1100 جريمة مقارنة بالعام السابق له، وسلط التقرير الضوء على قفزة مرعبة في جرائم العنف التي ارتفعت بنسبة بلغت نحو 10% لتصل إلى نحو 3300 جريمة عنيفة، وأكد وزير الداخلية الاتحادي، ألكسندر دوبرينت، بحضور رئيس المكتب الاتحادي لحماية الدستور، سنان سيلين، أن النشاطات الأجنبية المعادية تشهد تصاعداً مستمراً داخل الأراضي الألمانية، بالتزامن مع تزايد التدفقات المعلوماتية والتقارير الاستخباراتية التي تؤكد التخطيط لتنفيذ هجمات تخريبية، مع ارتفاع أعداد المتطرفين المستعدين لاستخدام العنف المسلح.
وصنفت الاستخبارات الداخلية الألمانية روسيا باعتبارها التهديد الأكبر والأخطر على الأمن الخارجي لألمانيا، واستشهد وزير الداخلية بقضية إدانة 3 رجال تم تجنيدهم وتكليفهم من قِبل أجهزة المخابرات الروسية للقيام بأعمال تجسسية رخيصة وجمع معلومات حساسة ودقيقة حول شبكات وخطوط السكك الحديدية والبنية التحتية الحيوية في ألمانيا والتخطيط لشن هجمات محتملة عليها، كما رصد التقرير الاستخباراتي بتوسع أنشطة معادية لكل من الصين وإيران، حيث تتركز مساعيهما التخريبية في مجالات التجسس الاقتصادي الممنهج لسرقة التكنولوجيا، وممارسة أساليب الترهيب والملاحقة ضد المعارضين الصينيين والإيرانيين المتواجدين في المنفى فوق الأراضي الألمانية.
وعلى الصعيد الداخلي، شددت الاستخبارات الداخلية الألمانية على أن الخطر الأكبر والداهم الذي يهدد النظام الديمقراطي ينبع من التطرف اليميني الذي يزداد ترابطاً ويزحف نحو الفئات الشبابية، وهو ما ينطبق كذلك على التطرف اليساري، وأفرد التقرير مساحة واسعة لحزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD)، حيث تم تصنيفه رسمياً كـ “حزب يميني متطرف بشكل مؤكد” في 5 ولايات اتحادية من أصل 16 ولاية ألمانية، وأكدت الاستخبارات استمرار التجانس الأيديولوجي المتطرف داخل الحزب القائم على فلسفة العرق والأصل، وهو ما ينتهك بشكل صارخ نصوص القانون الأساسي الألماني (الدستور)، وهي ذات النتيجة التي توصل إليها التقرير القانوني لجمعية الحقوق المدنية (GFF)، مؤكداً مخالفة الحزب الصريحة للدستور، وتخضع هذه التقارير حالياً للدراسة من قبل وزارة الداخلية.
وأشار التقرير إلى الأبعاد القضائية والسياسية المحيطة بمسألة حظر حزب “البديل من أجل ألمانيا”، فرغم رفض وزير الداخلية حتى الآن بدء إجراءات الحظر أمام المحكمة الدستورية الاتحادية، إلا أن الصلاحية القانونية تتيح للحكومة والبرلمان (البوندستاغ) ومجلس الولايات (البوندسرات) تقديم طلب رسمي بالحظر، ولفت التقرير إلى أن الاستخبارات الداخلية كانت قد صنفت الحزب ككل بأنه “يميني متطرف بشكل مؤكد”، لكنها اضطرت لسحب التصنيف مؤقتاً إثر دعوى قضائية رفعها الحزب أمام المحكمة الإدارية في مدينة كولونيا، والتي لم يصدر فيها حكم نهائي حتى الآن.
وفي سبيل مواجهة هذه الضغوط الشديدة، يطالب وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت بتعديلات تشريعية فورية تمنح الأجهزة الأمنية صلاحيات تقنية أوسع لمراقبة الاتصالات الرقمية وتخزين البيانات لفترات أطول، بهدف تحويل جهاز الاستخبارات الداخلية (حماية الدستور) وجهاز المخابرات الخارجية إلى “أجهزة استخبارات حقيقية” تمتلك “حرية العمل” والقدرة على تنفيذ تدابير دفاعية هجومية وفعالة، بدلاً من الاقتصار الحالي على المراقبة والرصد، وأوضح رئيس الجهاز سنان سيلين أن الخطة تعتمد على نهج ثلاثي المحاور يشمل: الكشف (التتبع)، والتعطيل (التدمير)، والوقاية، لمواجهة التهديدات الهجينة عبر التعاون مع الأجهزة الصديقة دولياً، على غرار الأنظمة السائدة في الولايات المتحدة، بريطانيا، وإسرائيل.
وفي المقابل، يدعم الائتلاف الحاكم المكون من الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزبي الاتحاد المسيحي هذه التوجهات التشريعية لإنشاء سلطات أمنية قوية لمواجهة تهديدات القرن 21، وفق ما أعلنه النائب الاشتراكي سيباستيان فيدلر، بينما قوبلت هذه التحركات بانتقادات حادة من حزب اليسار المعارض، حيث اتهمت النائبة كلارا بونغر وزير الداخلية بالسعي لتأسيس جهاز استخباراتي يتمتع بصلاحيات بوليسية مطلقة، مطالبة بضرورة إخضاع الإجراءات الحكومية لرقابة مستقلة علنية بدلاً من إدارتها في الخفاء.







