مقالات وآراء

مصباح العلي يكتب: إيران… حين يتحول الوقت إلى سلاح استراتيجي

في السياسة، لا تنتصر الدول دائمًا بما تمتلكه من قوة عسكرية، بل أحيانًا بما تمتلكه من قدرة على إدارة الوقت. وهذا ما يبدو أن إيران تحاول فعله في هذه المرحلة؛ فالمسألة بالنسبة إليها لم تعد تقتصر على التفاوض حول مذكرة تفاهم أو تفاصيل اتفاق، بل على اختيار اللحظة التي تمنحها أكبر قدر من المكاسب السياسية.

منذ انتهاء المواجهة العسكرية الأخيرة، بدا واضحًا أن طهران تتجنب الاستعجال، وتفضل تأجيل الخطوات التنفيذية إلى حين اكتمال صورة الداخل الإيراني، لأن معركتها اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة شرعية وصورة ورأي عام.

لقد راهنت واشنطن، ومعها حكومة الاحتلال الإسرائيلي، على أن تؤدي الحرب والضغوط الاقتصادية إلى تعميق الهوة بين الدولة الإيرانية ومجتمعها، وأن يصبح الحديث عن “الشعب الإيراني” مدخلًا لإعادة صياغة المشهد السياسي الإيراني. إلا أن طهران تدرك أن أي مشهد جماهيري واسع يؤكد استمرار الالتفاف الشعبي حول مؤسسات الدولة سيضعف هذا الرهان، ويجعل من الصعب إعادة تسويق أي مواجهة عسكرية جديدة تحت عنوان دعم الشعب الإيراني.

وهنا تكمن أهمية الزمن في الحسابات الإيرانية. فكل يوم يمر من دون انفجار داخلي، وكل مناسبة تظهر قدرة النظام على المحافظة على تماسكه، تتحول إلى ورقة ضغط في مواجهة الإدارة الأميركية، التي ستكون مضطرة إلى إعادة تقييم خياراتها السياسية والعسكرية.

لكن الورقة الشعبية ليست سوى جزء من المشهد.

إيران تعتمد منذ سنوات سياسة يمكن وصفها بـ”سياسة نسج السجاد”؛ صبر طويل، وعمل تراكمي، وتجنب الانفعالات. فهي لا تبحث عن انتصار إعلامي سريع، بل عن تراكم بطيء لعناصر القوة، بحيث يصبح الزمن نفسه حليفًا لها.

ولهذا السبب تحتفظ طهران بمجموعة من الأوراق الاستراتيجية التي لا تستخدمها دفعة واحدة، بل توزعها وفق مقتضيات اللحظة. فموقعها الجغرافي يمنحها قدرة مؤثرة على أمن الملاحة والطاقة في مضيق، كما أن شبكة علاقاتها مع دول الخليج تمنحها هامشًا سياسيًا واقتصاديًا لا يمكن تجاهله، فيما يبقى ملف الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج عنصرًا قابلًا للتحول إلى رافعة اقتصادية إذا ما شهدت العلاقات الدولية انفراجًا.

أما داخليًا، فإن من يزور إيران يلاحظ أن العقوبات، على شدتها، لم تُلغِ البنية الصناعية والعلمية والتعليمية التي بنتها الدولة خلال عقود. فإيران ما زالت تمتلك قاعدة بشرية وتقنية تمنحها قابلية حقيقية للعودة إلى مسار النمو إذا تبدلت البيئة السياسية والاقتصادية.

ومن هنا، فإن الصراع الدائر اليوم لا يتعلق فقط بالبرنامج النووي أو بالعقوبات، بل بتحديد شكل النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط. فكل تفاهم أميركي–إيراني ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن الخليج، وعلى مستقبل النفوذ الإسرائيلي، وعلى ملفات العراق وسوريا ولبنان واليمن.

أما لبنان، فلن يكون خارج هذه المعادلة. فكلما اقتربت واشنطن وطهران من تفاهم أوسع، ازدادت الضغوط لإعادة ترتيب الملفات اللبنانية، من تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار إلى ملف الحدود والإصلاحات وبناء الدولة. أما إذا تعثرت التسوية، فإن لبنان سيبقى ساحة مفتوحة لتجاذبات إقليمية يصعب فصلها عن الصراع الأكبر.

في المحصلة، لا تبدو إيران في سباق مع الزمن، بل تعمل على تحويل الزمن إلى أحد أهم أسلحتها. فهي تراهن على أن خصومها محكومون باستحقاقات انتخابية وضغوط اقتصادية وتحالفات متغيرة، بينما تراهن هي على النفس الطويل، وعلى أن تراكم عناصر القوة سيمنحها موقعًا تفاوضيًا أفضل كلما طال أمد الصراع.

قد يختلف المراقبون حول نجاح هذا الرهان أو فشله، لكن الثابت أن قراءة السياسة الإيرانية لا تكتمل من خلال متابعة الأحداث اليومية، بل من خلال فهم فلسفة الصبر الاستراتيجي التي تحكم قراراتها، حيث يصبح الوقت، في كثير من الأحيان، أكثر تأثيرًا من السلاح نفسه.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى