ملفات وتقارير

المعهد المصري للدراسات يقدم دراسة حول خطة دفع سوريا نحو لبنان: ستة تحديات تعرقل مواجهة محتملة مع حزب الله

عاد ملف الحدود السورية اللبنانية إلى واجهة النقاش السياسي، بعد تداول حديث عن احتمال دفع الحكومة السورية الجديدة إلى لعب دور مباشر في لبنان تحت عنوان “لجم حزب الله”، في طرح نُسب إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسط تساؤلات عن مدى واقعية هذه الخطة وقدرة دمشق على الانخراط في مواجهة عسكرية مع الحزب. (شاهد)

ويكشف النقاش أن الفكرة، رغم غرابتها وصعوبة تنفيذها، لم تعد تُقرأ فقط بوصفها تصريحًا عابرًا، بل باعتبارها احتمالًا تُدرسه بعض الأطراف في سياق أوسع يرتبط بالحرب الإقليمية، وبمحاولة واشنطن الضغط على إسرائيل للخروج من لبنان، مقابل تحميل السوريين مهمة التعامل مع حزب الله لاحقًا.

وبحسب الصحفي السوري أحمد شيخو في اللقاء المرفق، فإن أي تدخل سوري في لبنان سيصطدم أولًا بتعقيد البنية العسكرية داخل سوريا. فالجيش الحالي لا يشبه الجيش المركزي السابق، بل يتكون من فصائل متعددة أُعيد تشكيلها ضمن وزارة الدفاع، بينها تشكيلات قادمة من الجيش الوطني السابق الموالي لتركيا، إضافة إلى فرقة تضم مقاتلين أجانب كانت جزءًا من القوة الضاربة لهيئة تحرير الشام سابقًا.

هذا التركيب يجعل قرار الزج بالقوات السورية في مواجهة خارجية مع حزب الله بالغ الصعوبة. فبعض الفصائل لا تتحرك وفق انضباط عسكري كامل، وبعضها مرتبط بحسابات تركية أو بتوازنات داخلية، فيما تعاني الحكومة السورية نفسها من إشكالية ضبط المقاتلين الأجانب الذين يخشون أن يجري استخدامهم كورقة مساومة في التفاهمات مع الغرب.

التحدي الثاني اقتصادي. فعملية عسكرية بهذا الحجم تحتاج إلى تمويل، ولوجستيات، ورواتب، وإمداد طويل المدى، في وقت لا تزال فيه الحكومة السورية تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، رغم الحديث عن رفع عقوبات ووعود دعم دولي. ويشير شيخو إلى أن هذا الدعم لم يتحول حتى الآن إلى موارد ملموسة تكفي لتمويل حرب خارج الحدود.

أما التحدي الثالث فهو أمني داخلي. إذ إن تحريك وحدات سورية باتجاه لبنان قد يترك فراغًا داخل الأراضي السورية، يمكن أن تستفيد منه جماعات مثل تنظيم داعش أو أطراف مناوئة للسلطة الحالية. وهذا يجعل أي مغامرة خارجية مكلفة داخليًا، خصوصًا أن سيطرة الحكومة السورية على كامل الجغرافيا والوضع الأمني لا تزال غير مكتملة.

ويضاف إلى ذلك التحدي الإقليمي. فتركيا، وفق التقدير الوارد في الحوار، لا ترغب في دفع دمشق إلى حرب جديدة في لبنان، لأنها قد تُقرأ إيرانيًا بوصفها تحركًا لوكيل محسوب على أنقرة ضد حليف رئيسي لطهران. وفي هذه الحالة، قد تدخل قوى عراقية شيعية وإيران نفسها على خط المواجهة، ما يحوّل العملية من تدخل محدود إلى صدام إقليمي واسع.

ولا تقل مسألة الشرعية أهمية. فالدخول السوري إلى لبنان عام 1976 جرى في ظروف مختلفة وتحت غطاء عربي وبطلب لبناني، بينما لا يظهر اليوم وجود غطاء عربي أو لبناني أو دولي مماثل. ومن دون موافقة الحكومة اللبنانية، سيبدو أي تدخل سوري عملًا عسكريًا بلا شرعية سياسية واضحة.

كما تطرح المقابلة سؤالًا حساسًا: هل يمكن أن تدخل قوات سورية إلى لبنان تحت غطاء جوي إسرائيلي أو بتنسيق غير مباشر مع إسرائيل؟ هذا السيناريو، إن وقع، سيضع الحكومة السورية في مأزق أخلاقي وسياسي كبير أمام جمهورها، لأنه سيجعل الجيش السوري في موقع المتحرك بريًا بينما تؤمن إسرائيل الغطاء الجوي أو تستفيد من العملية.

ورغم هذه العقبات، لا يستبعد شيخو تمامًا احتمال حصول تحركات محدودة أو منفلتة. فقد أشار إلى وجود زيادة في القوات السورية على الحدود، خصوصًا في ريف حمص، لكن من دون أن تصل هذه الحشود إلى مستوى يدل على استعداد لعملية عسكرية واسعة. وفسرت الحكومة السورية هذه التعزيزات بأنها تهدف إلى ضبط الحدود ومنع التهريب، فيما قرأها بعض المراقبين باعتبارها محاولة للسيطرة على مجموعات أجنبية كانت متمركزة قرب الحدود اللبنانية.

وتبقى تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع، كما يعرضها شيخو، محل تأويل. فهو أظهر رفضًا لفكرة الدخول في لبنان من دون تنسيق رسمي، لكنه لم يغلق الباب تمامًا أمام سيناريو يتم بطلب من الدولة اللبنانية. هذا الغموض يعكس، وفق الحوار، محاولة للموازنة بين رفض المغامرة العسكرية وعدم استفزاز واشنطن في ظل ضعف أوراق دمشق.

في خلفية كل ذلك، تبدو فكرة ترامب أقرب إلى ورقة ضغط سياسية على إسرائيل ونتنياهو أكثر من كونها خطة عسكرية مكتملة. فواشنطن قد تسعى إلى إقناع إسرائيل بالانسحاب من لبنان لتسهيل التفاهم مع إيران، مع تقديم تصور بديل يقول إن مهمة التعامل مع حزب الله يمكن أن تُترك لاحقًا للسوريين.

لكن الخطر يكمن في أن الأفكار غير الواقعية قد تتحول، تحت الضغط الإقليمي والدولي، إلى مسارات ميدانية خطيرة. فدفع جماعات سنية ذات خلفيات جهادية إلى مواجهة حزب الله قد يفتح الباب أمام صراع سني ـ شيعي عابر للحدود، تتداخل فيه تركيا وإيران والعراق ودول عربية، بما يجعل لبنان وسوريا ساحة لاشتعال إقليمي جديد.

في المحصلة، تبدو خطة دفع سوريا إلى مواجهة حزب الله محاطة بعوائق عسكرية واقتصادية وأمنية وسياسية كبيرة. ومع ذلك، فإن هشاشة الوضع السوري، وضغط واشنطن، وتداخل حسابات إسرائيل وتركيا وإيران، تجعل الاحتمال غير مستحيل بالكامل، طبقًا لتحليل أحمد شيخو. وبين التصريحات الأمريكية الغامضة والتحركات الحدودية المحدودة، يبقى السؤال الأهم: هل تستخدم دمشق ورقة لبنان للمناورة، أم تُدفع فعلًا إلى مغامرة قد تتجاوز قدرتها على السيطرة؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى