شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب.. الأزهري الليبرالي “سعد باشا زغلول” قاد ثورة من المنفي

وجوه لا تغيب.. الأزهري الليبرالي

سعد زغلول… في عامه الـ170
.. قاد ثورة من المنفى

ليست قيمة الرجال فيما يتركونه، فبعض الرجال يمضون، بينما تظل أوطانهم تبحث عن القيم التي ناضلوا من أجلها. فبعد أيام قليلة، يبدأ سعد زغلول عامه المئة والسبعين، لكن حضوره في الذاكرة المصرية يبدو أكثر شبابًا من كثير من الأحياء، لأن الأمم لا تقيس أعمار عظمائها بالسنوات، بل بما بقي من أثرهم في ضميرها.
لم يكن سعد زغلول قائد ثورة فحسب، ولم يكن مجرد رئيس حكومة أو زعيم حزب. كان واحدًا من أولئك الذين يعبرون عصرهم ليصبحوا جزءًا من هوية وطن. وحين يذكر اسمه، تقفز إلى الأذهان ثورة 1919، لكن خلف تلك الصورة رجل أكثر عمقًا؛ أزهري مستنير، وليبرالي دستوري، ومصلح آمن بأن نهضة الأمم تبدأ بتحرير العقل قبل تحرير الأرض.

ولد في قرية إبيانة بدلتا مصر، وعرف اليتم قبل أن يعرف السياسة. مات والده وهو طفل، فنشأ على قسوة الريف وصلابة الحياة، ثم حمل مصحفه إلى الأزهر، حيث لم يتلق علوم الفقه واللغة فحسب، بل عاش سنوات كانت مصر فيها تغلي بأسئلة الإصلاح والتجديد. وهناك اقترب من الإمام محمد عبده، فتشكل وعيه على فكرة بدت جريئة في زمانها: لا تناقض بين الإيمان والحرية، ولا بين الدين والدولة الدستورية، ولا بين الأصالة والانفتاح على العصر.

قليلون يتذكرون أن سعد زغلول بدأ حياته صحفيًا في «الوقائع المصرية»، وأنه تعلم مبكرًا أن الكلمة قد تهز إمبراطورية إذا خرجت من عقل حر. ثم انتقل إلى النيابة، حتى أصبح من أبرز رجالها، قبل أن يدفع ثمن انخراطه في دوائر وطنية سرية تشكلت بعد هزيمة الثورة العرابية، فخرج من موقعه الرسمي، لكنه لم يخرج يومًا من صف الوطن.

وعندما تولى وزارة المعارف، لم يتعامل مع التعليم بوصفه إدارة حكومية، بل بوصفه مشروع استقلال. وساهم في وضع حجر الأساس للجامعة المصرية، مؤمنًا بأن الجامعة الحرة أخطر على الاحتلال من الثكنة العسكرية، وأن الأمة التي تبني عقول أبنائها، تبني مستقبلها قبل أن تبني مؤسساتها.

لم يكن انتماؤه إلى الفكر الليبرالي شعارًا مستوردًا، بل تجربة مصرية خالصة. فقد آمن بأن الأمة مصدر السلطات، وأن البرلمان ليس زينة دستورية، بل صوت الناس، وأن القانون يجب أن يكون سيد الجميع، حاكمًا ومحكومًا. لذلك ظل الدستور بالنسبة إليه قضية وجود، لا مجرد نصوص قانونية.

وبعد الحرب العالمية الأولى، لم ينتظر أن تمنح بريطانيا مصر استقلالها، ولم يصدق أن القوى الكبرى توزع الحرية هدايا على الشعوب. فابتكر فكرة غير مسبوقة؛ جمع توكيلات شعبية تخول الوفد المصري تمثيل الأمة في مؤتمر الصلح بباريس. كانت تلك التوقيعات أول تعبير واسع عن الإرادة الشعبية المصرية، حتى خافت منها سلطات الاحتلال أكثر مما خافت من السلاح، لأنها أدركت أن الأمة التي تتكلم بصوت واحد يصعب إخضاعها.

وفي الثامن من مارس 1919، ظنت بريطانيا أنها أنهت الحكاية حين اعتقلت سعد زغلول ورفاقه ونفتهم إلى جزيرة مالطة. لكنها كانت، من حيث لا تدري، تكتب الفصل الأول من أعظم ثورة شعبية في تاريخ مصر الحديث. فما إن غاب الرجل حتى خرج الوطن كله يبحث عنه. لم تكن ثورة نخبة، ولا انقلابًا سياسيًا، بل انتفاضة مجتمع بأكمله. خرج الطلاب من مدارسهم، والعمال من مصانعهم، والفلاحون من حقولهم، والمحامون من محاكمهم، وسارت النساء لأول مرة في مظاهرات تهتف للوطن، بينما وقف الهلال إلى جوار الصليب في صورة نادرة لوحدة المصريين.

كانت تلك الثورة إعلانًا بأن مصر ليست مجرد أرض يحتلها جيش، بل شعب يرفض أن يُحتل وعيه. ولأول مرة، أدرك المصري البسيط أن صوته يمكن أن يصنع التاريخ، وأن الفلاح الذي يوقع على توكيل، أو العامل الذي يضرب عن العمل، أو الطالبة التي تخرج في مظاهرة، يشاركون جميعًا في معركة الاستقلال.

عاد سعد زغلول من منفاه الأول، ثم عاد إليه مرة أخرى، وهذه المرة إلى جزر سيشل، على بعد آلاف الكيلومترات من القاهرة. لكن المنفى لم يكن بالنسبة إليه عزلة، بل منصة جديدة للمقاومة. كانت بريطانيا تنفي الجسد، بينما بقيت الفكرة تتجول بحرية في شوارع مصر، ولذلك صدق التاريخ عبارته غير المكتوبة: قد يُنفى الزعيم، لكن لا يمكن نفي الأمة.

وحين عاد، لم يدعُ إلى الانتقام، بل إلى بناء الدولة. خاض معركة دستور 1923، وقاد أول انتخابات حرة تقريبًا في تاريخ مصر الحديثة، وشكل أول حكومة جاءت بإرادة شعبية واضحة. لكنه لم يتشبث بالسلطة عندما حاول الاحتلال فرض شروطه بعد حادث اغتيال السير لي ستاك، فاختار الاستقالة، مفضلًا أن يخسر المنصب على أن يدفع الوطن ثمن مواجهة غير محسوبة. كانت تلك لحظة أثبت فيها أن الزعامة ليست التشبث بالكرسي، بل القدرة على التضحية به.

وإلى جواره وقفت صفية زغلول، التي لم تكن زوجة زعيم فحسب، بل شريكة نضال. تحول بيتهما إلى «بيت الأمة»، وتحولت هي إلى «أم المصريين»، حين حملت راية الحركة الوطنية أثناء غياب زوجها، وظل البيت عنوانًا لمرحلة كاملة من تاريخ مصر.

وفي صيف عام 1927، وبعد انتهاء الدورة البرلمانية الأخيرة التي ترأسها، غادر القاهرة ليستريح أيامًا بين بساتين بلبيس، ثم عاد إلى الريف الذي خرج منه طفلًا. وكأن الرجل كان يريد أن تبدأ النهاية من حيث بدأت الحكاية. وفي ليلة الثالث والعشرين من أغسطس، رحل سعد زغلول، بينما كان الملك فؤاد خارج البلاد. وفي صباح اليوم التالي، خرجت القاهرة عن بكرة أبيها تودعه. سار نعشه ملفوفًا بعلم مصر فوق عربة مدفع، فيما لم يكن المشيعون يودعون رجلًا فقط، بل يودعون عصرًا كاملًا.

دُفن أولًا في مقبرة أسرته بالإمام الشافعي، وبقي هناك نحو تسعة أعوام، حتى اكتملت التبرعات الشعبية لبناء ضريح يليق بمن أحبته الأمة. ولم تمول الدولة ذلك الضريح، بل بناه المصريون باكتتاب عام، في مشهد نادر يؤكد أن الرجل ظل بعد رحيله زعيمًا للشعب، لا للسلطة. وفي يونيو 1936، نُقل رفاته في موكب مهيب إلى ضريحه بجوار بيت الأمة، بعدما تأكد مصطفى النحاس ورفاقه بأنفسهم من سلامة الجثمان، في واقعة قلما تذكرها كتب التاريخ.

واليوم، بينما تقترب ذكرى عامه المئة والسبعين، تقف مصر أمام السؤال ذاته الذي شغل سعد زغلول قبل أكثر من قرن: كيف تُبنى دولة تحترم الدستور، ويعلو فيها صوت الأمة على إرادة الحاكم، ويصبح القانون سيدًا على الجميع؟ ذلك هو الإرث الحقيقي للرجل. أما التماثيل والضريح، فليست سوى شواهد حجرية على قصة لا تزال فصولها تُكتب.

لم يكن سعد زغلول قديسًا، ولم يكن معصومًا من الخطأ، لكنه كان من ذلك الطراز النادر من الرجال الذين جعلوا من السياسة رسالة، ومن الدستور عقيدة مدنية، ومن الحرية أسلوب حياة. ولهذا، وبعد مئة وسبعين عامًا على ميلاده، لا يزال حضوره أكبر من الغياب، ولا يزال اسمه، بحق، واحدًا من تلك الوجوه… التي لا تغيب.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى