كوارث منجم تافتان الإيراني: الغبار يغتال كروم العنب ويدمر مستقبل الأهالي

في الوقت الذي تتفاخر فيه الجهات المعنية بأرقام ضخمة حول احتياطيات الذهب في مدينة تافتان بمحافظة سيستان وبلوشستان، يعيش المواطنون البسطاء على وقع كارثة بيئية واقتصادية تلتهم مقدراتهم ومصدر رزقهم الوحيد. فبينما يتم استخراج الذهب لتعزيز الثروات القومية، يُترك أهالي المنطقة ليواجهوا مصيراً مجهولاً وسط غبار كثيف يغطي الأخضر واليابس، محولاً بساتين العنب الوارفة إلى أطلال مغطاة بطبقات من الأتربة والرماد الصناعي.
تشير التقارير الميدانية والمقاطع المصورة التي وثقها الأهالي في شهر يوليو 2026 إلى حجم المأساة التي تضرب بساتين العنب القريبة من منجم تافتان للذهب جنوب شرق إيران. الصور ليست مجرد لقطات عابرة، بل هي توثيق لجريمة بيئية؛ حيث تظهر عناقيد العنب وأوراق الأشجار وهي مسحوقة تحت طبقة سميكة من الغبار المعدني، مما جعل هذه المحاصيل غير صالحة للاستهلاك أو البيع، وهو ما يعني عملياً “إعداماً اقتصادياً” للعائلات البلوشية التي تعتمد كلياً على زراعة هذه الكروم لإعالة أسرها. والأسوأ من ذلك، أنه حتى اللحظة لم تحرك أي جهة مسؤولة أو شركة من الشركات المشغلة للمنجم ساكناً، وسط تجاهل تام لمطالب التعويض عن الخسائر الفادحة التي لا يمكن تعويضها بكلمات معسولة.
لا تتوقف المعاناة عند حدود المحاصيل التالفة، بل تمتد لتطال جودة المياه المنهكة أصلاً، وتدهور التربة الذي يهدد استدامة الزراعة في المنطقة لعقود قادمة. إن التحذيرات التي أطلقها السكان لم تكن صرخة في فراغ، بل هي نداء استغاثة من واقع يعيشونه يومياً، حيث تسببت الانبعاثات والغبار في تدمير الثروة الحيوانية والزراعية، مما دفع الناس للخروج في احتجاجات متكررة. لكن المفارقة المؤلمة أن هذه الاحتجاجات تقابل دوماً بجدران صماء من اللامبالاة، وفي أحسن الأحوال بوعود براقة لا تسمن ولا تغني من جوع.
ولا يقتصر الأمر على الغبار، إذ تشير الشهادات التاريخية القريبة لمنطقة منحدرات “مادباتي” في تافتان إلى أن أهاليها سبق وأن عانوا من دمار موارد المياه، وانخفاض مناسيب الينابيع بشكل حاد، ناهيك عن التصدعات التي أصابت المنازل السكنية في القرى الواقعة أسفل مجرى النهر بفعل عمليات التعدين العشوائية وتراكم المخلفات الضارة، وطالب الأهالي حينها بإجراء تحقيقات مستقلة، لكن الطلبات ذهبت أدراج الرياح.
أكثر المشاهد قسوة وتجسيداً لهذا الواقع المرير، ما حدث في قرية “سرسية” بتفتان، حيث لم تتوقف الانتهاكات عند حدود تدمير الأرض، بل امتدت لتشمل القمع المباشر للأصوات المطالبة بالحقوق. فقد وردت تقارير موثقة عن مواجهات عنيفة تعرضت لها نساء بلوشيات خلال وقفات احتجاجية سلمية، حيث تم تهديدهن وإهانتهن، وفي حالات تجاوزت فيها الخطوط الحمراء، تعرض المتظاهرون للضرب المبرح على أيدي عناصر القوات العسكرية وجهات مرتبطة بالمنجم، في محاولة واضحة لترهيب السكان ومنعهم من المطالبة بحقهم في بيئة نظيفة وآمنة.
إن منجم تافتان للذهب، الذي يعد من أكبر المصادر المؤكدة في إيران، باحتياطيات تبلغ حوالي 24 مليون طن من خام الذهب، تحول من نعمة اقتصادية مفترضة إلى كابوس يطارد سكان المنطقة. إن التباين الصارخ بين الثروات الضخمة المستخرجة من باطن الأرض وبين الفقر المدقع والدمار البيئي الذي يحيط بها، يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى هذه الأنشطة إذا كان ثمنها هو تدمير سبل عيش البسطاء وانتهاك كرامتهم. إن ما يحدث في تافتان ليس مجرد أضرار جانبية لعملية صناعية، بل هو استنزاف ممنهج للأرض والإنسان، يتطلب تدخلاً عاجلاً قبل أن تتحول المنطقة إلى صحراء قاحلة لا تصلح للحياة، ويصبح الذهب المستخرج ملطخاً بدموع ومعاناة أهالي تافتان الذين لم يجنوا من هذه الأنشطة سوى الغبار والألم.







