الدكتور أيمن نور يكتب: ليس كل من أحب التصفيق غبيا.. لكن الغبي هو من جعل التصفيق دليلا على الحقيقة

ورقة من كتاب «الغبي» (6)
مدمن التصفيق
«ليس كل من أحب التصفيق غبيًا… لكن الغبي هو من جعل التصفيق دليلًا على الحقيقة.»
لا يموت الدور عندما تنطفئ الأضواء، بل يبدأ حياته الحقيقية.
فوق المسرح يؤدي الممثل شخصية يعرف أنها ليست هو، ثم ينحني للجمهور، ويخلع ثيابه، ويعود إلى بيته إنسانًا عاديًا. أما الغبي فلا يملك هذه النعمة. ينتهي العرض، ويغادر الجمهور، وتطفأ الكاميرات، لكنه يظل يؤدي الدور نفسه. شيئًا فشيئًا، يتآكل الإنسان، ويبقى الدور. ثم تأتي اللحظة التي لا يعود فيها قادرًا على التمييز بينهما، فيصبح القناع هو الوجه، ويصبح الأداء هو الحياة.
ليست الشهرة هي المرض، ولا التصفيق هو الخطيئة. المرض الحقيقي يبدأ عندما يصبح التصفيق هو الوسيلة الوحيدة التي يعرف بها الإنسان قيمة نفسه. في تلك اللحظة، لا يعود يبحث عن الصواب، بل عن الرواج، ولا عن الحقيقة، بل عن التفاعل، ولا عن احترام الذات، بل عن الأرقام. وهنا يتحول العقل، من باحث عن المعنى، إلى موظف عند الجمهور، يراقب مزاجه، ويعيد تشكيل نفسه كل صباح على الصورة التي تضمن استمرار التصفيق.
في البدء، كان الإنسان يبحث عن الاعتراف. وهي حاجة إنسانية نبيلة. فالطفل يفرح بابتسامة أمه، والطالب ينتظر كلمة من معلمه، والعامل يسعد بتقدير رئيسه، والكاتب يطمئن حين يجد قارئًا صادقًا. لكن الغباء يبدأ عندما تتحول الحاجة إلى الاعتراف إلى إدمان على التصفيق. فالاعتراف يقول لك: لقد أحسنت. أما التصفيق فيهمس لك: كرر ما فعلته، ولو فقد معناه.
هنا يتغير شيء عميق في النفس. لا يعود الإنسان يسأل: ماذا أؤمن؟ بل: ماذا ينتظرون مني؟ ولا يعود يكتب لأن لديه فكرة، بل لأن لديه جمهورًا. ولا يعود يصمت حين ينبغي أن يصمت، لأن الصمت لا يورث الضجيج الذي اعتاده. وهكذا، دون أن يشعر، ينتقل مركز حياته من ضميره إلى عيون الآخرين. ومنذ تلك اللحظة، لا يصبح أسير الجمهور وحده، بل أسير الصورة التي يظن أن الجمهور يحبها فيه.
على امتداد أكثر من أربعة عقود بين الصحافة والإعلام والسياسة، رأيت هذه التحولات تتكرر حتى بدت كأنها قانون خفي للحياة العامة. رأيت رجالًا دخلوا المجال العام يحملون أفكارًا، ثم خرجوا منه يحملون صورًا عن أنفسهم. كانت الفكرة في البداية تقودهم، ثم أصبحت الصورة هي التي تقود الفكرة. وكان المؤلم أن بعضهم لم يعد يكذب على الناس، بل بدأ يكذب على ذاكرته، حتى أصبحت الرواية التي ألفها عن نفسه أصدق عنده من حياته التي عاشها.
وأعترف أنني كنت أبتسم أحيانًا، لا سخرية، بل دهشة. كنت أستمع إلى بعضهم يروي وقائع كنت حاضرًا تفاصيلها، فإذا به يمنح نفسه فيها دورًا لم يؤده، أو بطولة لم يعرفها، أو موقفًا لم يكن شاهدًا عليه أصلًا. وكان يقص ذلك بيقين لا يترك مجالًا للشك، حتى يخيل إليك أنه لا يخدع مستمعيه بقدر ما يخدع نفسه. وأذكر أن تعليقًا ساخرًا كُتب يومًا عن أحد المرشحين للرئاسة، فأراده صاحبه دعابة عابرة، بينما تلقاه المرشح بوصفه شهادة تاريخية، وظل يردده بفخر في لقاءاته وكأنه وسام حقيقي. وحين عاتبت صاحب التعليق، أجابني مبتسمًا: «يبدو أنك فقدت روح الدعابة». يومها أدركت أن الخطر لم يكن في السخرية، بل في الإنسان الذي يجد الوهم الذي يشتهي سماعه، فيحتضنه حتى يصبح جزءًا من هويته.
هذه اللحظة تستحق التأمل طويلًا. فالكذب على الآخرين يحتاج إلى جرأة، أما الكذب على النفس فيحتاج إلى احتياج. والإنسان لا يصدق الوهم لأنه غبي منذ البداية، بل لأنه يجد فيه ما يعوض نقصًا عميقًا لم يجرؤ على مواجهته. لذلك يصبح التصفيق، في كثير من الأحيان، بديلًا عن الطمأنينة، والشهرة بديلًا عن السلام الداخلي، والانتشار بديلًا عن القيمة. وكل بديل، مهما بدا براقًا، يظل عاجزًا عن سد الفراغ الذي وُلد منه.
وهنا يبلغ الغباء مرحلة جديدة. لم يعد الإنسان يدافع عن دوره لأنه مفيد، بل لأنه يخشى أن يكتشف أنه أمضى سنوات طويلة يؤدي حياة لم تكن حياته. ولذلك يبدو الاعتراف مؤلمًا، لا لأنه يهدم صورة، بل لأنه يهدم عمرًا كاملًا بُني على تلك الصورة. وما أكثر الذين يواصلون الأداء حتى آخر لحظة، لا لأنهم لا يعرفون الحقيقة، بل لأن العودة منها أصبحت أثقل من احتمالها.
ومن هنا يبدأ السؤال الذي سيقودنا إلى المخطوطة التالية: إذا كان التصفيق قادرًا على تحويل الدور إلى هوية، فمن الذي يحول هوية الفرد إلى يقين جماعي، ويجعل جمهورًا كاملًا يصفق للرواية نفسها، ويعادي كل من يجرؤ على رواية أخرى؟ هناك تبدأ حكاية جديدة… لا عن الممثل، بل عن القطيع الذي يصنع الحقيقة على مقاس التصفيق.







