
هذا هو السؤال الذي تبادر إلى ذهني عندما قرأت التصريحات المنسوبة إليكم عقب لقائكم بقداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والتي تحدثتم فيها عن «تحسن أوضاع المسيحيين في مصر»، كما أعربتم عن امتنانكم لقداسة البابا على السماح باستئناف رحلات الحج القبطي إلى القدس.
بأي صفة يقيّم ممثل لدولة أجنبية طبيعة العلاقة بين أبناء الشعب المصري؟ وبأي حق يمنح نفسه سلطة الحكم على مستوى التفاهم بين المسلمين والمسيحيين، وكأنهما جماعتان منفصلتان تحتاجان إلى مراقب خارجي يتابع أوضاعهما ويصدر التقارير بشأنهما؟
إن الأقباط والمسلمين في مصر ليسوا طائفتين تعيشان جنبًا إلى جنب، بل هم شركاء في وطن واحد، جمعتهم الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك عبر قرون طويلة. وقد عرف المصريون كيف يواجهون الاحتلالات والحروب والأزمات معًا، وكيف يدافعون عن وطنهم معًا، دون حاجة إلى وصاية أو شهادة حسن سلوك من أي عاصمة أجنبية.
ثم ما شأنكم أصلًا بالتعليق على قرار يتعلق بالحج القبطي إلى القدس؟
لقد كان القرار الذي اتخذه البابا الراحل شنودة الثالث بعدم زيارة القدس قبل التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية قرارًا كنسيًا ووطنيًا مصريًا خالصًا، وأي تعديل لهذا الموقف يظل شأنًا يخص الكنيسة القبطية وأبناءها، سواء اتفق معه البعض أو اختلفوا بشأنه. ولا أفهم لماذا يرى ممثل الحكومة الأمريكية أنه مخول بتقديم الشكر على هذا القرار أو الاحتفاء به.
هل أصبح من مهام الدبلوماسية الأمريكية متابعة قرارات الكنائس المصرية؟ أم أن الأمر يعكس رغبة دائمة في التدخل في التفاصيل الداخلية لشؤون الدول الأخرى؟
والأكثر غرابة أن يأتي هذا الاهتمام المفاجئ بحرية الحج المسيحي إلى القدس من ممثل لحكومة تواصل تقديم دعم سياسي وعسكري يكاد يكون بلا حدود لإسرائيل، رغم ما تشهده غزة والضفة الغربية من قتل وتهجير ودمار، ورغم الانتهاكات اليومية الموثقة التي يتعرض لها الفلسطينيون على مرأى ومسمع من العالم كله.
ولم نسمع من حكومتكم احتجاجًا مماثلًا عندما تعرض رجال الدين المسيحيون والراهبات والحجاج في القدس لمضايقات واعتداءات من متطرفين إسرائيليين، أو عندما فرضت السلطات الإسرائيلية قيودًا على الوصول إلى الأماكن المقدسة، أو عندما مُنع آلاف المؤمنين من ممارسة شعائرهم الدينية بحرية.
إن الدفاع عن الحرية الدينية لا يجوز أن يكون انتقائيًا، وحقوق الإنسان ليست قابلة للتجزئة. ومن الصعب على كثيرين في العالم أن يتلقوا دروسًا في حقوق الإنسان من دولة تدعم، بالسلاح والمال والمواقف السياسية، حكومة متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.
لذلك، فإن رسالتي إليكم واضحة: لا العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في مصر، ولا القرارات المتعلقة بالحج القبطي، تحتاج إلى تدخل خارجي. احترموا سيادة مصر، واتركوا للمصريين إدارة شؤونهم الداخلية بأنفسهم.







