مقالات وآراء

عدنان الصباح يكتب: جوزيف عون وشارل مالك… الحقيقة وحرية لبنان


حين وقف رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مستشهداً بعبارة المفكر والفيلسوف والدبلوماسي اللبناني شارل مالك: ” إن ما يهمني ليس أن يكون رأيي متوافقاً مع أكثرية أو أقلية، بل أن يكون متطابقاً مع الحقيقة ” لم يكن يستحضر مجرد عبارة بليغة تصلح لتزيين خطاب سياسي، بل استدعى اسماً يحتل مكانة استثنائية في التاريخ الفكري والدبلوماسي اللبناني والعالمي. فمالك لم يكن مجرد ممثل للبنان في المحافل الدولية، بل كان أحد أبرز المساهمين في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأحد المفكرين الذين جعلوا من الحقيقة والحرية والكرامة الإنسانية ركائز لا يجوز أن تخضع لحسابات القوة أو لموازين المصالح.

غير أن استحضار المفكرين الكبار لا يقتصر على الاقتباس من كلماتهم، بل يفرض احترام المنظومة الفكرية التي أنتجت تلك الكلمات، فالأفكار ليست شعارات تُنتقى منها العبارات التي تلائم المناسبة، وإنما بناء متكامل تتساند أجزاؤه بعضها إلى بعض، ومن هنا، فإن استدعاء شارل مالك يضع كل مسؤول سياسي أمام امتحان مزدوج: امتحان الصدق في القول، وامتحان الاتساق بين القول والفعل.

فالحقيقة التي تحدث عنها مالك ليست حقيقة الأكثرية ولا حقيقة الأقلية، وليست الحقيقة التي تصنعها موازين القوى أو التحالفات الدولية، بل الحقيقة التي يفرضها الضمير والعقل والالتزام بالمبادئ، ولذلك فإنها لا تُقاس ببلاغة الخطابات، وإنما بمدى انعكاسها في السياسات العامة، وفي القرارات المصيرية التي تتصل بسيادة الوطن وكرامة شعبه واستقلال إرادته.

وفي التجربة اللبنانية تحديداً، لا يمكن فصل الحقيقة عن مفهوم السيادة، فالدولة التي تعجز عن حماية أرضها، أو عن منع الاعتداءات على حدودها، أو عن صون استقلال قرارها، تواجه سؤالاً وجودياً يتجاوز الإدارة اليومية للسلطة، ولذلك فإن أي حديث عن الحقيقة في المجال العام لا يكتمل إلا إذا ارتبط بالحقيقة الدستورية والوطنية، أي بحقيقة الالتزامات التي تعهدت بها الدولة أمام شعبها، وحقيقة الواجبات التي أقسم المسؤولون على احترامها.

من هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق بصحة الاقتباس من شارل مالك، ولا بشرعية الاستشهاد به، وإنما بما هو أعمق من ذلك : هل جاءت السياسات اللاحقة منسجمة مع المعنى الذي قصده مالك حين جعل الحقيقة فوق اعتبارات الأكثرية والأقلية؟ وهل بقيت الحقيقة هي المعيار الحاكم للقرار السياسي، أم أصبحت رهينة الضغوط الدولية وموازين القوى الإقليمية؟

إن هذا السؤال يكتسب أهمية مضاعفة لأن رئيس الجمهورية لم يستشهد بمفكر عابر، بل بشخصية ارتبط اسمها بالدفاع عن الحرية، وبالتمسك باستقلال الدول، وبحق الشعوب في تقرير مصيرها، ومن ثم فإن أي استحضار لفكره يقتضي قراءة هذا الفكر في شموله، لا الاكتفاء بجملة واحدة منه.

أولاً: شارل مالك بين الفلسفة والسياسة
يُختزل شارل مالك في كثير من الأحيان في كونه أحد واضعي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أو في كونه دبلوماسياً لامعاً حمل اسم لبنان إلى المنابر الدولية، غير أن هذه الصورة، على أهميتها، لا تكفي لفهم الرجل، فمالك كان، قبل كل شيء، فيلسوفاً رأى أن السياسة لا تستقيم إذا انفصلت عن الأخلاق، وأن الدولة لا تستطيع أن تحافظ على مشروعيتها إذا تخلت عن الحقيقة بوصفها قيمة عليا.
وقد انطلقت فلسفته من قناعة راسخة بأن الحرية ليست منحة تمنحها الدول الكبرى للشعوب، ولا امتيازاً تمنحه السلطة للمواطن، وإنما هي حق أصيل يلازم الإنسان، تماماً كما تلازمه كرامته، ولهذا السبب، لم يكن يرى أن الحقيقة تتغير بتغير موازين القوى، ولا أن العدالة تصبح عدالة لأنها تحظى بتأييد الأقوياء.

ولعل هذه الرؤية هي التي جعلته يربط بين الحرية والسيادة ربطاً وثيقاً؛ فلا حرية لشعب يخضع للاحتلال أو للإكراه، ولا سيادة لدولة تُفرض عليها خياراتها من الخارج، ومن هنا، فإن استقلال القرار الوطني لم يكن عنده مجرد شعار سياسي، بل شرطاً لازماً لممارسة الحرية ذاتها.

وفي هذا الإطار، اكتسبت القضية الفلسطينية مكانة خاصة في فكره، فرغم انفتاحه الواسع على الفكر الغربي وعلاقاته الدولية، لم ينظر إلى فلسطين باعتبارها نزاعاً حدودياً يمكن عزله عن محيطه، بل رأى فيها قضية تمس مستقبل المشرق العربي بأسره، بما في ذلك لبنان. وتشير كتاباته ومواقفه بعد نكبة عام 1948 إلى قناعة بأن ما جرى في فلسطين لن يبقى محصوراً داخل حدودها، بل ستكون له انعكاسات استراتيجية وسياسية وأمنية على المنطقة كلها.

وسواء اتفق المتابع مع هذه القراءة أم اختلف معها، فإنها تبقى جزءاً من البناء الفكري لشارل مالك، ولا يجوز حذفها عند استحضار اسمه مرجعاً للحقيقة، فالإنصاف الفكري يقتضي التعامل مع المفكر في كليته، لا الاكتفاء بما يوافق ظرفاً سياسياً معيناً.

ومن هنا يبرز سؤال مشروع: هل يمكن الاستشهاد بمالك بوصفه فيلسوف الحقيقة، مع إغفال مواقفه من القضايا التي اعتبرها جزءاً من الدفاع عن حرية لبنان واستقلاله؟ وهل ينسجم أي مسار سياسي يُفسَّر على أنه استجابة لضغوط خارجية مع الفلسفة التي جعلت استقلال القرار الوطني ركناً من أركان الحقيقة؟

هذه الأسئلة لا تستهدف محاكمة النوايا، وإنما تدعو إلى اتساق المرجعيات مع الممارسات. فمن يختار شارل مالك مرجعاً أخلاقياً وفكرياً، إنما يختار منظومة كاملة من القيم، في مقدمتها أن الحقيقة لا تُجزأ، وأن السيادة ليست قابلة للتفاوض بوصفها حقاً أصيلاً للشعوب، وأن الحرية لا تُصان إلا عندما يكون القرار الوطني حراً ومستقلاً.

ثانياً: خطاب القسم… العقد الدستوري بين الرئيس والأمة
في النظم الدستورية الحديثة، لا يُعد خطاب القسم مجرد كلمة بروتوكولية تسبق مباشرة رئيس الجمهورية لمهامه، ولا بياناً سياسياً قابلاً للتبديل وفق تبدل الظروف، بل يمثل في جوهره الوثيقة السياسية والأخلاقية التي يلتزم بها رئيس الدولة أمام الأمة، إنه إعلان عن رؤية العهد، وتحديد لأولوياته، وتعهد صريح بالسياسات التي سيعمل على تحقيقها ضمن حدود الدستور والقانون.

ولهذا السبب، فإن تقييم أي عهد رئاسي لا يبدأ من الخطابات، ولا من المؤتمرات الدولية، بل من مدى الالتزام بما ورد في خطاب القسم، فهو المرجعية التي يملك اللبنانيون، بمختلف اتجاهاتهم، حق العودة إليها لقياس مدى انسجام الأداء مع التعهدات التي أُعلنت يوم تسلم المسؤولية.
وقد أكد الرئيس جوزيف عون في خطاب القسم عزمه على بناء دولة تستثمر في جيشها ليضبط الحدود، ويسهم في تثبيتها جنوباً، وترسيمها شرقاً وشمالاً وبحراً، ويمنع التهريب، ويحارب الإرهاب، ويحفظ وحدة الأراضي اللبنانية، ويطبق القرارات الدولية، ويحترم اتفاق الهدنة، ويمنع الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، ويخوض الحروب وفقاً لأحكام الدستور.

إن القراءة المتأنية لهذا النص تكشف أن جوهره ليس قضية السلاح وحدها، بل قضية الدولة ذاتها، فهو يربط بين الجيش والسيادة، وبين حماية الحدود ومنع الاعتداءات، وبين احترام الدستور وصون وحدة الأرض، ومن ثم، فإن الدفاع عن لبنان ليس بنداً ثانوياً في خطاب القسم، وإنما يشكل أحد مرتكزاته الأساسية.

ومن هنا يبرز سؤال مشروع: هل جاءت السياسات اللاحقة منسجمة مع هذا التعهد؟ وهل بقيت الأولوية لحماية السيادة ومنع الاعتداءات وصون وحدة الأراضي، كما ورد في خطاب القسم، أم أن أولويات أخرى تقدمت عليها؟
إن هذا السؤال لا يرمي إلى إصدار أحكام مسبقة، بل إلى تأكيد مبدأ دستوري بسيط، هو أن شرعية التقييم تنطلق من الوثيقة التي أعلنها الرئيس نفسه، لا من الوثائق التي يفسرها خصومه أو مؤيدوه، فالرئيس يُحاسب أولاً على مدى التزامه بما أقسم عليه أمام اللبنانيين.

ولا يخفى أن خطاب القسم حظي، عند إلقائه، بتأييد واسع من شرائح لبنانية مختلفة بما في ذلك قوى المقاومة وفي الطليعة منها حزب الله، ليس لأن الجميع كانوا يتفقون على التفاصيل السياسية، بل لأن كثيرين رأوا فيه مشروعاً لإعادة الاعتبار إلى الدولة وسيادتها ومؤسساتها واستقلالها في نفس الوقت، وقد التف عدد كبير من اللبنانيين حول مضمون الخطاب باعتباره برنامجاً وطنياً جامعاً، أكثر مما كان التفافاً حول شخص الرئيس أو خلفيته العسكرية.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين شرعية المنصب وشرعية الأداء، فشرعية المنصب يمنحها الدستور وآليات الانتخاب، أما شرعية الأداء فتتجدد بقدر الوفاء للالتزامات التي أعلنها الرئيس عند توليه المسؤولية، ولذلك فإن أي نقاش حول العهد لا بد أن ينطلق من سؤال واحد: إلى أي مدى تحولت تعهدات خطاب القسم إلى سياسات عملية وإجراءات ملموسة؟

ثالثاً: الدولة والسيادة… أيهما يسبق؟

منذ نشوء الدولة الحديثة، ارتبط مفهوم السيادة ارتباطاً وثيقاً بقدرة السلطة العامة على بسط نفوذها على كامل إقليمها، وحماية حدودها، والدفاع عن استقلالها، إلا أن اختزال السيادة في احتكار وسائل القوة وحده يبقى اختزالاً قاصراً، لأن احتكار القوة ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتمكين الدولة من أداء وظيفتها الأساسية، وهي حماية المجتمع وصون استقلال الوطن.

وقد رسخت التجارب الدستورية المعاصرة مبدأً مفاده أن الدولة لا تكتسب مشروعيتها بمجرد امتلاكها أدوات القوة، بل بقدرتها على استخدام تلك الأدوات في الدفاع عن أرضها وشعبها، فإذا عجزت عن منع الاحتلال، أو عن وقف الاعتداءات المتكررة على أراضيها، أو عن حماية مواطنيها، فإن السؤال لا يعود مقتصراً على مشروعية القوة، بل يمتد إلى مدى اكتمال السيادة نفسها.

وفي الحالة اللبنانية، يزداد هذا النقاش تعقيداً بسبب خصوصية التجربة التاريخية، فلبنان لم يواجه تحديات داخلية فحسب، بل عرف أيضاً احتلالات واعتداءات خارجية من دولة الاحتلال، الأمر الذي جعل مفهوم الدفاع الوطني موضع نقاش دائم بين القوى السياسية والفكرية، ومن هنا، فإن أي مقاربة لمسألة السيادة لا يمكن أن تقتصر على بعدها القانوني، بل ينبغي أن تأخذ في الاعتبار الظروف الموضوعية التي عاشتها الدولة اللبنانية.

ولهذا يرى كثير من الباحثين أن بناء الدولة وحماية السيادة ليسا مسارين متعارضين، بل متلازمين، فلا دولة قوية بلا سيادة فعلية، ولا سيادة مستقرة بلا مؤسسات دستورية قادرة على ممارسة صلاحياتها كاملة وبذا يصبح السؤال أيحوز إبقاء سلاح المعتدي على ارض دولة تقبل بان يطالبها عدوها بإلقاء سلاحها وهو يجثم على ارضها رغما عنها.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول أدوات الدفاع لا ينبغي أن ينفصل عن النقاش حول أسباب استخدامها، فإذا كانت هناك أراضٍ محتلة، أو اعتداءات متكررة، أو تهديدات مستمرة، فإن البحث في مستقبل منظومة الدفاع الوطني يقتضي، في الوقت نفسه، البحث في إزالة الأسباب التي أوجدت تلك المنظومة وهي وجود المعتدي على الوطن، فالتجارب الدولية تشير إلى أن الأمن المستدام يتحقق عادة بعد معالجة جذور الصراع، لا بالاكتفاء بمعالجة نتائجه.
ومن هنا، فإن ترتيب الأولويات يكتسب أهمية دستورية ووطنية، إذ لا يكفي أن يُطلب من الدولة احتكار القوة، بل ينبغي أيضاً أن تكون قادرة على ممارسة هذا الاحتكار بكفاءة واستقلال، وأن تمتلك الوسائل الكفيلة بحماية حدودها وردع أي اعتداء عليها، وإلا تحولت السيادة إلى مفهوم نظري، بينما يبقى الواقع خاضعاً لموازين قوة لا تملك الدولة السيطرة عليها فإذا عجز الاب عن حماية بيته يصبح من حق الأولاد حمايته كل على طريقته ما دا ذلك يصب في خانة طرد المعتدي.

إن الدولة القوية ليست الدولة التي تحتكر القوة فحسب، بل الدولة التي تحتكر قرار الحرب والسلم، وتملك في الوقت نفسه القدرة الفعلية على حماية أرضها وشعبها، بحيث لا تصبح سيادتها رهناً بضمانات خارجية أو بتوازنات إقليمية متغيرة، فجوهر الدولة، في نهاية المطاف، ليس امتلاك السلطة فقط، بل امتلاك القدرة على صون الوطن الذي تقوم عليه تلك السلطة. وهو ما يؤكد ان الدولة تتكون أصلا من اركان حماية الوطن وممن يملك القدرة والاستعداد لفعل ذلك وعادة ما يتكون درع الوطن في زمن الحروب من الجيش وقوى الشعب المقاتلة ومن امكن من حلفاء حقيقيين.
رابعاً: مذكرة الإطار… بين الغموض السياسي والالتزام الدستوري.

إذا كانت ” مذكرة الإطار ” تمثل مدخلاً إلى ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، فإن طبيعتها القانونية والسياسية تفرض جملة من الأسئلة التي لا يمكن تجاوزها، لأن أي وثيقة تمس الأمن الوطني أو السيادة لا تُقاس بما تعلنه من عناوين عامة، بل بما قد يترتب عليها من آثار قانونية وسياسية وعملياتية لاحقة.
فالخبرة الدستورية تعلمنا أن أخطر ما في الوثائق الإطارية ليس ما تتضمنه من نصوص واضحة، وإنما ما تتركه مفتوحاً أمام التفاوض والتفسير، فالإطار، بطبيعته، ليس اتفاقاً نهائياً، بل هو تحديد للمسار الذي ستسلكه المفاوضات اللاحقة، وقد يفضي إلى التزامات لم تكن واردة في النصوص الأولية أو لم تكن محل نقاش علني، خصوصا حين يضع من يمثل الوطن نفسه بين براثن اعدائه بعد ان يوافق على تقليم اظافره.
ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي لا يجوز أن تبقى بلا إجابة:
أولاً، ما المقصود بالإطار؟ وهل يقتصر على تنظيم آلية تفاوض، أم أنه يتضمن التزامات سياسية مسبقة قد تصبح لاحقاً ملزمة للدولة اللبنانية؟
ثانياً، هل يحدد بصورة قاطعة وثابتة حقوق لبنان المعترف بها دولياً، أم يترك بعض القضايا الجوهرية مفتوحة أمام تفاوض قد يمس حقوقاً لا يملك أي مسؤول دستورياً صلاحية التنازل عنها؟
ثالثاً، كيف يمكن قبول التزامات توصف بأنها غير قابلة للتراجع، قبل أن يصبح مضمون الاتفاق النهائي معروفاً للرأي العام، وقبل أن تخضع بنوده للنقاش ضمن المؤسسات الدستورية المختصة؟ او ضمن استفتاء شعبي خصوصا ان الموضوع يطال الوطن والشعب والقضية حاضرا ومستقبلا.
رابعاً، كيف يمكن إعادة صياغة منظومة الأمن الوطني في ظل استمرار الاحتلال في بعض النقاط الحدودية، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية التي تشهد بها تقارير الأمم المتحدة بصورة متكررة؟ فهل يجوز معالجة وسائل الدفاع بمعزل عن معالجة أسباب اللجوء إليها؟
خامساً، ما هي الضمانات الفعلية التي يحصل عليها لبنان إذا قبل التزامات أمنية أو سياسية جديدة؟ وهل تقوم هذه الضمانات على التزامات قانونية ملزمة، أم على وعود سياسية قابلة للتبدل تبعاً لتغير الإدارات الدولية والظروف الإقليمية؟
إن هذه الأسئلة ليست تعبيراً عن رفض مسبق لأي مسار سياسي، وإنما هي مقتضى طبيعي لمبدأ الشفافية والمساءلة في النظام الدستوري، فكل اتفاق يمس السيادة أو الأمن الوطني يجب أن يكون واضحاً في أهدافه، محدداً في التزاماته، وخاضعاً لرقابة المؤسسات الدستورية، لأن السيادة ليست ملكاً للسلطة التنفيذية وحدها، وإنما هي ملك للأمة اللبنانية بأسرها.
خامساً: اتفاق الطائف… وثيقة تأسيسية لا يجوز اختزالها
يُعد اتفاق الطائف، بعد إدخاله في مقدمة الدستور والتعديلات الدستورية لعام 1990، المرجعية الدستورية والسياسية التي أعادت تنظيم الحياة العامة في لبنان بعد الحرب الأهلية، ومن ثم، فإن التعامل معه لا يجوز أن يكون انتقائياً أو ظرفياً، لأن الوثائق التأسيسية تُقرأ في كليتها، لا من خلال اقتطاع فقرات منها وإهمال سائر أحكامها.
لقد جاء الطائف استجابة لحاجة وطنية كبرى، هي إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة، لكنه لم يكن مجرد اتفاق أمني، ولم يكن وثيقة تعالج مسألة السلاح وحدها، بل رسم مشروعاً متكاملاً لإعادة تأسيس الدولة اللبنانية على قاعدة التوازن بين السيادة، والمؤسسات، والشراكة الوطنية، والعدالة الدستورية.
ولذا، فإن من يقرأ الطائف قراءة متأنية يلاحظ أنه قام على مجموعة من المبادئ المترابطة، لا على مبدأ واحد منفصل عن سواه.
ففي مقدمة هذه المبادئ، أكد الاتفاق ضرورة استكمال تحرير جميع الأراضي اللبنانية المحتلة، باعتبار أن سيادة الدولة لا يمكن أن تكتمل ما دام جزء من أراضيها خارج سلطتها أو خاضعاً للاحتلال، ولم يعتبر تحرير الأرض قضية سياسية قابلة للتأجيل، بل هدفاً وطنياً سابقاً على اكتمال بناء الدولة نفسها، لأن الدولة التي لا تملك كامل أرضها تبقى سيادتها منقوصة.
وفي الوقت نفسه، نص الاتفاق على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها بواسطة مؤسساتها الشرعية، بما يجعل الدولة وحدها صاحبة القرار في إدارة الشأن العام وممارسة السلطة وفق أحكام الدستور، غير أن هذا المبدأ لا يمكن عزله عن المبدأ السابق، لأن بسط السلطة يفترض وجود أرض محررة وسيادة فعلية، لا مجرد سيادة نظرية.
كما جعل الطائف من بناء دولة المؤسسات والقانون هدفاً مركزياً، فدعا إلى تعزيز استقلال القضاء، وتفعيل الإدارة العامة، وإصلاح النظام السياسي، وتكريس مبدأ المحاسبة، باعتبار أن الدولة القوية لا تُبنى بالقوة المجردة، وإنما ببناء مؤسسات تتمتع بالشرعية والكفاءة والثقة الشعبية.
ولم يغفل الاتفاق واحداً من أبرز أسباب الأزمات اللبنانية، فنص على العمل على إلغاء الطائفية السياسية بصورة تدريجية، من خلال إنشاء الهيئة الوطنية المنصوص عليها في الاتفاق، واعتماد خطوات إصلاحية تفضي إلى قيام دولة المواطنة، غير أن هذا البند، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على إقرار الطائف، بقي من أكثر البنود التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ، شأنه شأن بنود إصلاحية أخرى نص عليها الاتفاق.
وبذا، فإن الوفاء لاتفاق الطائف لا يكون بالاستناد إلى فقرة واحدة منه وإغفال بقية أحكامه، لأن الوثائق الدستورية الكبرى لا تقبل التجزئة، فمن يتمسك بالطائف في مسألة، ينبغي أن يتمسك به أيضاً في تحرير الأرض، وبسط السيادة، وإصلاح القضاء، وإلغاء الطائفية السياسية، وبناء الدولة، وتعزيز المؤسسات.
إن القراءة الانتقائية للنصوص الدستورية تفرغها من مضمونها، وتحولها إلى أدوات في السجال السياسي، بينما يفترض أن تبقى مرجعاً يحتكم إليه الجميع، لا مادة يختار منها كل فريق ما يوافق موقفه.
ولهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: ماذا يقول الطائف في بند معين؟ بل: هل نلتزم بالطائف كله، أم يجري الالتزام بالأجزاء التي تنسجم مع خياراتنا السياسية ونهمل سائر أحكامه؟
إن احترام الدستور يبدأ باحترام روحه قبل نصوصه، وروح الطائف قامت على فكرة واضحة: بناء دولة حرة، مستقلة ،قوية، سيدة، عادلة، قادرة على حماية أرضها، وصون وحدتها الوطنية، وترسيخ مؤسساتها الدستورية، وإنهاء الأسباب التي قادت اللبنانيين إلى الحرب، لا إنتاج أسباب جديدة للانقسام.
الحقيقة… الامتحان الذي لا ينتهي
حين استشهد رئيس الجمهورية جوزيف عون بعبارة شارل مالك عن الحقيقة، لم يكن يستحضر مجرد حكمة فلسفية، بل استدعى معياراً أخلاقياً ودستورياً بالغ الصرامة، فالحقيقة، كما فهمها مالك، ليست رأياً يتبدل بتبدل موازين القوى، ولا شعاراً يُرفع في المحافل الدولية، بل التزام دائم يفرض على رجل الدولة أن يكون وفياً لما أقسم عليه، وأن يجعل من سيادة وطنه وكرامة شعبه المرجع الأعلى لكل قرار.
ومن هنا، فإن معيار الحكم على أي عهد لا يبدأ من جمال الخطب، ولا من وقع التصفيق في القاعات الدولية، ولا من رضا العواصم المؤثرة، بل من مقدار الوفاء بالعهد الذي قُطع أمام الأمة يوم أداء القسم، فالرئاسة في الدولة الدستورية ليست امتيازاً سياسياً، وإنما أمانة وطنية، وقسم دستوري، ومسؤولية تاريخية.
لقد رسم خطاب القسم معالم دولة تحمي حدودها، وتصون وحدتها، وتمنع الاعتداء على أرضها، وتستثمر في جيشها، وتلتزم الدستور والشرعية الدولية من دون أن تتخلى عن واجبها الأول في حماية الوطن. كما أن اتفاق الطائف لم يكن دعوة إلى انتقاص السيادة، بل مشروعاً لاستكمال تحرير الأرض، وبسط سلطة الدولة، وبناء المؤسسات، وإقامة دولة المواطنة والقانون، وهما معاً يشكلان المرجعية التي ينبغي أن تُقاس عليها السياسات، لا أن تُفسَّر وفق مقتضيات اللحظة أو ضغوط المرحلة.
إن الدول لا تُبنى بالانتقائية، ولا تُدار بالاقتباسات المجتزأة، لأن المرجعيات الكبرى لا تتجزأ، فمن يستشهد بشارل مالك مدعو إلى استحضار فلسفته كاملة، ومن يتمسك بالطائف مطالب باحترامه كاملاً، ومن يؤدي القسم أمام اللبنانيين ملزم بتنفيذ مضمونه كاملاً. فالحقيقة، في نهاية المطاف، لا تُختزل في جملة بليغة، وإنما تتجسد في اتساق الكلمة مع الفعل، والالتزام مع الممارسة، والوعد مع الوفاء.
ولعل أعظم ما تركه شارل مالك للبنان ليس عبارة عن الحقيقة، بل الفكرة التي تختبئ خلفها: أن الحقيقة لا تطلب رضا الأكثرية ولا تخشى غضب الأقلية، ولا تنحني أمام القوة، ولا تتبدل بتبدل المصالح، لأنها وحدها القادرة على حماية الحرية، وصون الكرامة، وحفظ الأوطان.
ويبقى السؤال الذي سيجيب عنه التاريخ، لا السجال السياسي: هل كانت الحقيقة، كما أرادها شارل مالك، هي التي قادت السياسات والقرارات، أم أن الحقيقة بقيت في الخطب، فيما مضى الواقع في اتجاه آخر؟
فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يحفظ للرؤساء ما قالوه، بل ما فعلوه. ولا يخلّد العبارات، مهما بلغت بلاغتها، بقدر ما يخلّد المواقف التي صانت الأوطان، وحفظت السيادة، وصدقت القسم، ووافقت الحقيقة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى