العالم العربيملفات وتقارير

اتفاق واشنطن يثير غضبا عارما والمنظمات تتهم الحكومة اللبنانية ببيع دماء الشهداء

تتصاعد حدة الرفض الحقوقي والشعبي في العاصمة بيروت عقب توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل في واشنطن بتاريخ 26 يونيو 2026، وسط اتهامات صريحة للحكومة اللبنانية بالتنازل غير المشروط عن حقوق الضحايا. وفي بيان مشترك عاصف، شددت منظمة العفو الدولية وخمس من كبرى المنظمات الحقوقية والمعنية بحرية الصحافة، اليوم الجمعة 03 يوليو 2026، على أن هذا الاتفاق يمثل طعنة في الظهر، وينذر بخذلان كامل لضحايا جرائم الحرب المروعة التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية. وأكدت المنظمات أن بنود النص صُممت خصيصًا لحرمان المتضررين من ملاحقة الجناة أمام المحافل القضائية الدولية، مما يكرس سياسة الإفلات من العقاب ويمنح الاحتلال غطاءً قانونيًا لجرائمه المتواصلة.

يأتي هذا الغليان الحقوقي في وقت كشفت فيه وزارة الصحة اللبنانية عن إحصائيات مرعبة تعكس حجم الكارثة؛ حيث بلغت الحصيلة التراكمية الإجمالية للعدوان الإسرائيلي منذ 2 مارس 2026 وحتى يوم أمس الخميس، 4298 شهيدًا و12196 جريحًا، فضلاً عن تهجير ونزوح ما يزيد عن 1000000 شخص فروا من جحيم القصف العشوائي. ورغم هذه الدماء النازفة، جاء البند 13 من الاتفاق ليفجر أزمة كبرى، إذ يلزم حكومتي بيروت وتل أبيب بوقف جميع الأعمال العدائية أو المناوئة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية. وأوضحت المنظمات أن هذا البند يتعارض بشكل صارخ مع الالتزامات الدولية، ويمنع لبنان من اللجوء للمحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، في حين يوفر ثغرة قانونية لإسرائيل لا تلزمها بوقف تحركاتها ضد حزب الله عالميًا.

ولم تتوقف العيوب الفادحة للاتفاق عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل البند 3 الذي اعتبرته الهيئات الحقوقية انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية وحظر التهجير القسري. ويشترط هذا البند لعودة السكان إلى مناطقهم الحدودية التي تحتلها إسرائيل حاليًا، التأكد أولاً من نجاح نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك بنيتها التحتية، وهو ما يمثل قبولًا ضمنيًا باستمرار تهجير عشرات الآلاف من المواطنين لأجل غير مسمى. ويتناقض هذا الشرط مع القانون الدولي الإنساني الذي يفرض السماح للمهجرين بالعودة الفورية لمنازلهم بمجرد توقف العمليات القتالية الإجرامية دون قيود سياسية.

على الصعيد السياسي الداخلي، تسبب الاتفاق في إحداث انقسام حاد وخطير؛ حيث خرج رئيس مجلس النواب نبيه بري ليحذر بقوة من أن هذه الصيغة ستؤدي حتمًا إلى فتنة داخلية لا تحمد عقباها. وفي المقابل، تمسك رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بالاتفاق، زاعمين أن نصوصه لا تمس الثوابت الوطنية. وتحت وطأة الهجوم الضاري من القانونيين والناشطين، حاول عون وسلام الالتفاف على الكارثة بادعاء أن البند 13 يتحدث عن “تعليق” الدعاوى وليس “وقفها”، إلا أن النص الحرفي المكتوب يفضح كذب هذه التبريرات، إذ ينص صراحة على “وقف لكل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية، والعمل على البحث عن الرفات وإعادتها والإفراج عن المحتجزين”.

وعمليًا، يواجه الاتفاق مأزقًا كبيرًا في ظل مماطلة إسرائيلية مستمرة لبدء الانسحاب التدريجي، ورصد قيام جيش الاحتلال بفرض تدابير وإجراءات عسكرية جديدة تعيق الحركة في الجنوب، بما في ذلك تحركات قوات الأمم المتحدة المؤقتة (يونيفيل). يُذكر أن منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، والمفكرة القانونية، والمركز اللبناني لحقوق الإنسان، واتحاد الصحافيين والصحافيات، قد وثقوا منذ عام 2023 جرائم حرب إسرائيلية مكتملة الأركان، شملت قصف المدنيين، واستهداف الطواقم الطبية، واغتيال الصحافيين، وإبادة عائلات كاملة، والاستخدام غير القانوني لقذائف الفسفور الأبيض الحارق.

وفي غمرة هذا التواطؤ، أكدت مديرة البرامج في هيومن رايتس ووتش، لما فقيه، أن الحسابات السياسية تغلبت على دماء الأبرياء وحرمت الضحايا من العدالة رغم الأدلة الدامغة على الدمار الواسع. ومن جهتها، شنت رئيسة اتحاد الصحافيين والصحافيات، إلسي مفرّج، هجومًا لاذعًا على المسؤولين، مؤكدة أن الحكومة تنازلت عن حق لا تملكه مطلقًا، وهو حق الشهداء والجرحى في محاكمة السفاحين. واختتمت المجموعات الحقوقية بيانها بمطالبة المجتمع الدولي بعدم الاعتراف بأي تسوية سياسية تغلق باب العدالة، بينما حاول رئيس الحكومة نواف سلام تخفيف حدة الغضب في جلسة مجلس الوزراء بالإدعاء أن هذا الإطار مجرد خريطة طريق أولية للمفاوضات ينتج عنها التزامات سياسية وليست قانونية، في محاولة بائسة لامتصاص الثورة الشعبية والقانونية العارمة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى