أخبار العالمملفات وتقارير

كارثة في سقز.. زيادة أسعار الخبز بنسبة 100% تلتهم لقمة عيش الفقراء

في مدينة سقز بشرق كردستان، لم يعد رغيف الخبز مجرد سلعة تخضع لتقلبات السوق العادية، بل تحول فجأة إلى خط مواجهة مباشر وساخن بين المواطن البسيط وجوع حقيقي يهدد الاستقرار الإنساني. ففي يوم الجمعة، الموافق 3 يوليو 2026، استيقظ سكان المدينة على صدمة اقتصادية عنيفة تمثلت في قفزة جنونية بلغت 100% في أسعار الخبز، لتعلن رسمياً انتقال مئات العائلات من دائرة الكفاف الهشة إلى مربع العجز التام والفقر المدقع.

تأتي هذه الكارثة المعيشية لتضرب مجتمعاً يعاني أساساً منذ سنوات طويلة تحت وطأة ثلاثية قاتلة تتشكل من البطالة المرتفعة، والتضخم الانفجاري، وانعدام الأمان الوظيفي. وفي ظل انسداد أفق التنمية الحقيقية، اندفع المئات من الشباب والرجال نحو العمل الشاق والخطير في التهريب الحدودي المعروف بـ “الكولبري” لتأمين قوت يومهم بأجور غير مستقرة. ومع الارتفاع المتواصل في كافة تكاليف الحياة اليومية، ظل رغيف الخبز هو الركيزة الأخيرة والأكثر صموداً لحفظ الأمن الغذائي للأسر، غير أن مضاعفة ثمنه أدت فوراً إلى انهيار المائدة بأكملها، لتكشف بوضوح عن أزمة تتجاوز مجرد زيادة أسعار سلع عابرة إلى حرمان مباشر من الحد الأدنى اللازم للبقاء على قيد الحياة.

طوابير القلق في حي نشميلان: صرخة صامتة للأم نازدار

في الصباح الباكر من أحد الأيام الأولى لشهر يوليو، وتحديداً قبل أن تشرق الشمس بالكامل، شهد حي نشميلان العريق في مدينة سقز مشهداً استثنائياً أمام أحد المخابز المحلية. بدأت الأصوات النسائية تتعالى في عتمة الفجر، ولم يكن الخلاف هذه المرة على أسبقية الدور أو ازدحام الطوابير المعتاد، بل كان احتجاجاً عفوياً غاضباً على الزيادة المباغتة والصادمة في السعر. تحول باب المخبز إلى ساحة حية تجسدت فيها كل الضغوط الاقتصادية المتراكمة، وظهرت بوضوح في الملامح المتعبة والعيون القلقة التي باتت تحسب بدقة مؤلمة: كم رغيفاً يمكن شراؤه بالمال القليل المتبقي؟ وأي سلعة أخرى يجب حذفها نهائياً لتوفير ثمن الخبز الأساسي على المائدة؟

وسط هذا الحشد، لفتت الأنظار امرأة مسنة تُدعى “الأم نازدار”، بوجهها الذي لفحته الشمس ويديها المرتجفتين اللتين تحملان آثار سنوات طويلة من الكدح. أخذت تعد أوراقها النقدية المجعدة مرة تلو الأخرى، لا بدافع العادة، بل بدافع أمل عابر بأن تتغير الأرقام بطريقة ما، وأن يكفي المبلغ القليل الذي تملكه لشراء العدد نفسه من الأرغفة كما في السابق، لكن الأرقام لم تتغير. قالت بصوت هادئ ومكسور: “كنت أشتري كل يوم 10 أرغفة، أما اليوم فإن نقودي لا تكفي إلا لشراء 5 أرغفة فقط”. وضعت نازدار الأرغفة 5 في كيسها، وألقت نظرة خاطفة على بقية الأرغفة، ثم انسحبت بهدوء من الطابور دون صراخ أو احتجاج، ليعكس هذا التراجع الصامت قسوة فقر يفرض الاختفاء التدريجي من مائدة تصغر يوماً بعد يوم مع اتساع الفجوة بين الحاجة والقدرة.

أحياء سقز تحت المقصلة: دحرجة لقمة العيش إلى الهاوية

إن قراءة تفاصيل هذه الأزمة تكشف أن الزيادة ليست مجرد قرار إداري محلي أو إجراء عابر لتنظيم السوق، بل هي آلية واضحة لنقل عبء السياسات الاقتصادية الفاشلة مباشرة إلى جيوب الفئات الضعيفة. وفي أحياء مدينة سقز الأقل حظاً ومنخفضة الدخل والمهمشة، مثل حي نشميلان وتاره آباد وبهارستان وشريف آباد وحاجي آباد وشهناز، يمثل الخبز الركيزة الأساسية لبنية البقاء؛ حيث تبدأ الأسر يومها بالخبز والشاي، وتعتمد عليه كلياً في وجبتي الغداء والعشاء كعنصر رئيسي وحيد. ومع قفزة الأسعار بنسبة 100%، امتد مقص الحذف القسري ليشمل سلعاً أساسية أخرى تم الاستغناء عنها تماماً، بدءاً من اللحوم والدواجن، مروراً بمنتجات الألبان والفواكه، وصولاً إلى تدمير جودة الغذاء اليومي نفسه، لتجد الأسر نفسها مجبرة باستمرار على خفض مستوى استهلاكها وتوقعاتها من الحياة.

اقتصاد سياسي مشوه: عندما يصبح العمل بلا قيمة

في طابور المخبز، عبرت النساء عن هذا التآكل المستمر بمرارة، حيث قالت إحداهن: “ماذا بقي ليأخذوه منا؟ في كل شهر يُنتزع شيء من حياتنا”، فردت أخرى: “أولاً اختفت اللحوم، ثم الفاكهة، ثم الألبان، والآن الخبز… ماذا بعد؟”. هذا السؤال يتجاوز الغلاء ليطرح علامة استفهام مصيرية حول الحد الأقصى لقدرة المجتمع على التحمل قبل أن يتحول الحرمان التدريجي المتراكم إلى أزمة اجتماعية وسياسية واضحة تنفجر في وجه الجميع.

ولعل العبارة الأكثر خطورة تجلت على لسان أحد العمال الكادحين، حيث قال جملة تستحق التوقف عندها: “لقد عملت اليوم، ولكن إذا استمر سعر الخبز في الارتفاع، فلن يعود العمل وحده كافياً”. تعكس هذه الكلمات انهياراً حقيقياً للعقد الاجتماعي؛ فلم يعد العمل الشاق يضمن تأمين متطلبات الحياة الضرورية، لتُلقى الأعباء على موائد الأسر الأكثر ضعفاً.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى