ذاكرة التاريخمصرملفات وتقارير

من ذاكرة التاريخ.. زكريا محيي الدين ثعلب المخابرات ومستودع أسرار مصر العسكرية

تزخر الذاكرة الوطنية المصرية بسير رجال حفروا أسماءهم بمداد من نور في سجلات الشرف والبطولة، ومن بين هذه القمم السامقة يبرز اسم القبضة الحديدية ورجل الظل القوي، الذي قاد دفة الأمور في أدق المراحل التاريخية وصنع بعبقريته الأمنية صمام أمان الدولة. إنه القائد العسكري والسياسي الفذ زكريا محيي الدين، الذي يوافق تاريخ 5 يوليو ذكري ميلاده في عام 1918. هذا الرجل الذي نال مكانة متميزة في قلوب وعقول أبناء وطنه، حظي باحترام لا نهائي من رفاق السلاح والخصوم على حد سواء، باعتباره شخصية وطنية تاريخية استثنائية، وأحد الآباء المؤسسين لجهاز المخابرات العامة المصرية، بل وأشرف وأخلص رجال مصر في إنكار ذاته والترفع عن الصغائر تجاه المسؤوليات الجسام.

الجذور والنشأة وبداية الرحلة العسكرية

شهدت قرية كفر شكر التابعة لمحافظة القليوبية ميلاد زكريا محيي الدين في 5 يوليو عام 1918، حيث نشأ في بيئة ريفية عززت لديه قيم الانضباط والولاء. تلقى تعليمه الأولي هناك في مدرسة الإصلاح، قبل أن تنتقل أسرته ليلتحق بمدرسة العباسية الابتدائية، ومن بعدها مدرسة فؤاد الأول الثانوية التي تشكلت فيها ملامح وعيه الوطني. مدفوعًا برغبة عارمة في خدمة وطنه، التحق بالمدرسة الحربية في 6 أكتوبر عام 1936، ليتخرج منها ضابطًا كفؤًا ويتم تعيينه في كتيبة بنادق المشاة بالإسكندرية. وهناك، في عروس البحر الأبيض المتوسط، التقى للمرة الأولى باليوزباشي جمال عبد الناصر، لتنشأ بينهما رابطة فكرية ووطنية وثيقة. ولم يمض وقت طويل حتى سافر إلى السودان في العام 1940 ليلتقي هناك مجددًا بجمال عبد الناصر، ويتعرف عن قرب بالمشير عبد الحكيم عامر، الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للحربية وأحد الأركان الأساسية لتنظيم الضباط الأحرار.

معارك فلسطين وفك حصار الفالوجا

لم تكن الكفاءة العسكرية لزكريا محيي الدين مجرد نظريات تُدرس، بل تجلت بوضوح على أرض الواقع عندما شارك في حرب عام 1948 في فلسطين. وفي أوج المعارك الشرسة، تطوع محيي الدين ومعه الضابط صلاح سالم لتنفيذ مهمة انتحارية شديدة الخطورة، تمثلت في اختراق خطوط العدو للاتصال بالقوة المصرية المحاصرة في منطقة الفالوجا الشهيرة، وتوصيل إمدادات الطعام والدواء والذخيرة لها، وهي العملية التي أظهرت شجاعة فائقة وقدرة على التخطيط تحت الضغط الصارم. وبعد انتهاء الحرب العسكرية بنكبة فلسطين، عاد إلى العاصمة القاهرة ليتم اختياره مدرسًا في الكلية الحربية نظرًا لخبرته الميدانية المتميزة.

العقل المدبر لخطوط تحرك ثورة يوليو

قبل اندلاع ثورة يوليو المجيدة بنحو 3 أشهر، انضم زكريا محيي الدين رسميًا إلى تنظيم الضباط الأحرار، وأصبح ركنًا ركينًا ضمن خلية جمال عبد الناصر القيادية. ونظرًا لسرعته الفائقة في التخطيط وهدوئه الأسطوري، أُوكلت إليه مسؤولية وضع خطة التحرك العسكري للقوات ليلة 23 يوليو عام 1952، وكان هو المسؤول المباشر عن عملية تحرك الوحدات العسكرية وسيطرتها على المراكز الحيوية، كما قاد بنفسه عملية محاصرة القصور الملكية في مدينة الإسكندرية أثناء تواجد الملك فاروق الأول هناك، مما عجل بسقوط النظام الملكي دون إراقة دماء.

سادن الأسرار ومنصب رئيس الجمهورية لمدة يومين

تولى القائد زكريا محيي الدين بعد نجاح الثورة عدة مناصب سيادية مصرية عليا، حيث شغل منصب وزير الداخلية، ورئيس وزراء مصر، فضلًا عن كونه المؤسس والأول لرئيس المخابرات العامة المصرية التي وضع لبناتها الأولى بعقلية استخباراتية فذة. وفي اللحظة الأكثر دراماتيكية في تاريخ مصر الحديث، عقب هزيمة يونيو عام 1967 وتنحي الرئيس جمال عبد الناصر عن الحكم، تم تعيين زكريا محيي الدين رئيسًا مؤقتًا لجمهورية مصر العربية، واستمر في هذا المنصب الرفيع لمدة يومين فقط، قبل أن تخرج الجماهير ترفض التنحي، ليعود عبد الناصر إلى منصبه ويعود محيي الدين إلى صفوف الخدمة الوطنية بإنكار ذات عز نظيره.

رحيل صامت لرجل الدولة المتجرد

عُرف زكريا محيي الدين طوال مسيرته بأنه رجل ثورة يوليو الصادق الصامت، ورجل الدولة الوطني المتجرد تمامًا عن الهوى والمصالح الشخصية الضيقة، والعازف دومًا عن الأضواء الكاشفة، مما جعله نموذجًا فريدًا في النزاهة تحتاج الأجيال الحالية والقادمة للتعلم من سيرته العطرة والاقتداء به. وبقي هكذا بعيدًا عن الصخب حتى توفي إلى رحمة مولاه في 15 مايو عام 2012 عن عمر يناهز 94 عامًا، تاركًا خلفه إرثًا عسكريًا وسياسيًا شامخًا يصعب تكراره.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى