د. أيمن نور يكتب: كيف نستعيد النيابة العامة حارسًا للشرعية؟ مصر الممكنة .العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (4/3)2030 (33)

لا أكتب هذه السطور بحثًا عن إدانة مؤسسة عريقة، ولا رغبة في تصفية حساب مع تجربة شخصية أو سياسية. فالأوطان لا تُبنى بالثأر من مؤسساتها، كما أنها لا تُبنى بإنكار أخطائها. والنيابة العامة المصرية، بكل ما لها وما عليها، تظل واحدة من أهم مؤسسات الدولة الحديثة، وأحد أهم مفاتيح إصلاح مرفق العدالة كله.
بعد أكثر من عقد من التوترات السياسية والأمنية والتشريعية، لم يعد السؤال: هل توجد أزمة؟ بل أصبح السؤال: كيف نعيد بناء الثقة؟
فالثقة هي العملة الحقيقية للعدالة. والمحكمة بلا ثقة تتحول إلى مبنى، والقانون بلا ثقة يتحول إلى نص، والنيابة بلا ثقة تتحول إلى جهاز إداري مهما اتسعت سلطاته.
طوال السنوات الماضية، كان النقاش العام ينشغل غالبًا بالأشخاص والوقائع الفردية، بينما بقي السؤال المؤسسي الكبير مؤجلًا: كيف يمكن إعادة النيابة العامة إلى موقعها الطبيعي باعتبارها حارسًا للشرعية لا مجرد جهة اتهام؟
الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن النيابة العامة ليست جزءًا من السلطة التنفيذية، وليست امتدادًا لجهاز الضبط، وليست طرفًا سياسيًا في أي صراع. وظيفتها الأصلية هي حماية القانون، ولو كان القانون في مواجهة الدولة نفسها.
الخبرة المقارنة في العالم تؤكد أن النيابات العامة الأقوى ليست تلك التي تملك أكبر قدر من السلطات، بل تلك التي تحظى بأكبر قدر من الاستقلال والشفافية والمساءلة.
فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وكندا وألمانيا لم تصل إلى أوضاعها الحالية عبر توسيع سلطات الادعاء العام فقط، وإنما عبر بناء منظومات دقيقة من التوازنات والضمانات والرقابة المؤسسية.
في كل هذه التجارب كان السؤال المركزي: كيف نضمن أن يظل المدعي العام خادمًا للقانون لا خادمًا للسلطة؟
أولًا: إعادة تعريف وظيفة النيابة العامة
الخطوة الأولى في أي إصلاح جاد هي إعادة تعريف الدور نفسه.
النيابة العامة ليست مؤسسة لإدارة الخصومات السياسية.
وليست مؤسسة لإدارة المجال العام.
وليست أداة لتخفيف أعباء السلطة التنفيذية.
النيابة العامة وجدت لحماية الشرعية القانونية.
وهذا التعريف يجب أن ينعكس في الثقافة المؤسسية وفي التدريب وفي التشريعات وفي الممارسة اليومية.
ثانيًا: العودة التدريجية إلى قاضي التحقيق
من أكثر المقترحات التي أؤمن بها منذ سنوات إعادة إحياء مؤسسة قاضي التحقيق.
لا باعتبارها وصفة سحرية، وإنما باعتبارها إحدى أهم أدوات توزيع السلطة داخل الدعوى الجنائية.
الفصل بين التحقيق والاتهام لا يعني إضعاف النيابة العامة، بل تعزيز الثقة في نتائج التحقيق نفسه.
وكلما ازدادت حساسية القضية أو خطورتها أو ارتباطها بالحريات العامة، ازدادت الحاجة إلى جهة مستقلة تتولى التحقيق بعيدًا عن منطق الاتهام.
ثالثًا: ضبط الحبس الاحتياطي
لا يمكن الحديث عن إصلاح النيابة العامة دون معالجة ملف الحبس الاحتياطي.
الأصل هو الحرية.
والاستثناء هو الحبس.
وكلما اختل هذا الترتيب اختلت فلسفة العدالة نفسها.
المطلوب وضع ضوابط أكثر صرامة للحبس الاحتياطي، والتوسع في البدائل القانونية الحديثة المعمول بها في كثير من دول العالم.
رابعًا: تعزيز الرقابة على أماكن الاحتجاز
واحدة من أكثر الوظائف أهمية للنيابة العامة هي الرقابة على السجون وأماكن الاحتجاز.
هذه الرقابة يجب أن تصبح أكثر استقلالًا وفعالية وعلانية.
ويجب أن تتحول من مهمة إدارية دورية إلى وظيفة دستورية حقيقية لحماية الحقوق والحريات.
خامسًا: حماية الحق في الدفاع
العدالة لا تتحقق في غياب دفاع حر وفعال.
وكلما تقلصت قدرة المحامي على الوصول إلى موكله أو ملف القضية أو ممارسة دوره بحرية، تراجعت جودة العدالة نفسها.
لذلك فإن تعزيز ضمانات الدفاع ليس مصلحة للمحامين فقط، بل مصلحة للنيابة العامة وللقضاء وللمجتمع كله.
سادسًا: تطوير معايير اختيار وتدريب أعضاء النيابة
الدولة الحديثة لم تعد تكتفي بالكفاءة القانونية وحدها.
عضو النيابة اليوم يحتاج إلى تكوين قانوني وحقوقي ونفسي واجتماعي أوسع.
يحتاج إلى فهم حقوق الإنسان.
وإلى فهم الإعلام.
وإلى فهم التكنولوجيا.
وإلى فهم طبيعة المجتمع الذي يعمل داخله.
سابعًا: الشفافية ونشر البيانات
أحد أسباب اتساع فجوة الثقة هو غياب البيانات الدقيقة.
المطلوب نشر مؤشرات دورية تتعلق بالحبس الاحتياطي، وأعداد القضايا، ونتائج التحقيقات، وزيارات السجون، وغير ذلك من المعلومات التي تساعد المجتمع على تقييم الأداء بصورة موضوعية.
ثامنًا: مراجعة العلاقة مع أجهزة الضبط
لا يمكن بناء نيابة عامة قوية إذا تحولت عمليًا إلى مجرد محطة عبور لمحاضر الضبط والتحريات.
وظيفة النيابة أن تراجع وتختبر وتدقق.
لا أن تعتمد الرواية الأولى باعتبارها الرواية الوحيدة.
فكلما حافظت النيابة على استقلالها المهني عن جهات الضبط، ازدادت قوة القانون لا العكس.
تاسعًا: قضايا الرأي والتعبير
مصر تحتاج إلى إعادة ترسيم الحدود الفاصلة بين الجريمة والرأي.
فليس كل نقد جريمة.
وليس كل معارضة تهديدًا للدولة.
وليس كل اختلاف خطرًا على الأمن القومي.
والنيابة العامة تستطيع أن تلعب دورًا محوريًا في ترسيخ هذا الفهم داخل الحياة القانونية المصرية.
عاشرًا: التحول الرقمي الكامل
التكنولوجيا ليست رفاهية.
إنها جزء من ضمانات العدالة الحديثة.
فكلما أصبحت الإجراءات أكثر توثيقًا ورقمنة وشفافية، تراجعت فرص الخطأ وسوء الاستخدام والتلاعب.
عشرون خطوة لإصلاح النيابة العامة المصرية
إعادة الاعتبار لمفهوم «الخصم الشريف».
تفعيل نظام قاضي التحقيق في القضايا الكبرى.
تقليص اللجوء إلى الحبس الاحتياطي.
توسيع بدائل الحبس الاحتياطي.
تعزيز الرقابة على أماكن الاحتجاز.
تطوير برامج التدريب الحقوقي.
تعزيز استقلال عضو النيابة أثناء التحقيق.
نشر بيانات دورية عن أداء النيابة.
مراجعة آليات التعامل مع التحريات.
تقوية ضمانات الدفاع.
رقمنة إجراءات التحقيق.
تطوير منظومة التفتيش القضائي.
توسيع صلاحيات الرقابة على أماكن الاحتجاز.
مراجعة التشريعات المقيدة للحريات.
تعزيز الرقابة القضائية على قرارات الحبس.
توسيع نطاق الإفراج المشروط والتدابير البديلة.
إدماج المعايير الدولية في التدريب القضائي.
تفعيل المساءلة المؤسسية دون المساس بالاستقلال.
تعزيز التعاون مع المؤسسات القضائية المقارنة.
إطلاق مراجعة شاملة لدور النيابة العامة في الجمهورية الجديدة.
لسنوات طويلة ظللت أعتقد أن أزمة النيابة العامة هي أزمة أفراد.
ثم اكتشفت أنها أزمة بنية.
وبعد سنوات أخرى أدركت أنها أزمة فلسفة.
فالمؤسسات لا تتغير بمجرد تغيير الأشخاص، وإنما بتغيير الدور الذي تؤديه والرؤية التي تحكمها.
وما زلت أعتقد أن النيابة العامة المصرية قادرة على استعادة أفضل ما في تاريخها.
فما بين المستشار محمد نور الذي دافع عن حرية طه حسين، وبين آلاف من أعضاء النيابة الذين حملوا رسالة القانون بإخلاص عبر عقود طويلة، يوجد رصيد هائل يستحق أن يُبنى عليه.
مصر لا تحتاج إلى نيابة أضعف.
ولا تحتاج إلى نيابة أكثر قسوة.
مصر تحتاج إلى نيابة أكثر استقلالًا.
وأكثر مهنية.
وأكثر قربًا من روح القانون.
فالدولة العادلة لا تخاف من نيابة مستقلة.
بل تستمد جزءًا من شرعيتها منها.
وإذا كان القضاء هو آخر حصون العدالة، فإن النيابة العامة هي البوابة الأولى إليها.
وكل مشروع جاد لإصلاح مرفق العدالة في مصر سيبدأ من هنا.
من إعادة النيابة العامة إلى موقعها الطبيعي:
حارسًا للشرعية…
لا طرفًا في الأزمة.
الحلقة التالية:
مصر الممكنة 2030 (34)
العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (5)
الحبس الاحتياطي… من إجراء احترازي إلى عقوبة بلا حكم







