ثقافة وفنونفلسطينملفات وتقارير

سرقة التاريخ والاستثمار في الأوهام: 100 مليون دولار عوائد الآثار لتمويل المستوطنات وتزوير الجغرافيا

في فلسطين المحتلة، يمتد الصراع من الأرض والرقعة الجغرافية إلى التاريخ نفسه. فإلى جانب الاستيطان ومصادرة الأراضي وتهجير السكان، يوظف الاحتلال الصهيوني علم الآثار باعتباره إحدى أدوات فرض روايته على المكان. يتحقق ذلك عبر تحويل الحفريات الأثرية من نشاط علمي هدفه الكشف عن تعاقب الحضارات، إلى وسيلة لتكريس سردية أحادية تسعى إلى إقصاء الهوية التاريخية الفلسطينية، وطمس الشواهد الكنعانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية التي تؤكد أن هذه الأرض كانت، على امتداد آلاف السنين، فلسطينية وموطنًا لحضارات متعددة.

تتجسد هذه السياسة في تمدد الجمعيات الاستيطانية داخل المواقع الأثرية، واستغلال أعمال التنقيب لفرض السيطرة على الأراضي، ومصادرة محيطها، وحرمان الفلسطينيين من الوصول إلى تراثهم. يتوازى ذلك مع الدفع بتشريعات تمنح الاحتلال سيطرة مباشرة على الآثار في الضفة الغربية، في مخالفة صارخة لما تقرره قواعد القانون الدولي بشأن حماية الممتلكات الثقافية في الأراضي المحتلة. ولم تتوقف هذه الممارسات عند حدود التنقيب، إنما امتدت إلى شق الأنفاق، والاستيلاء على المواقع التاريخية، وإعادة توظيفها لخدمة المشروع الاستيطاني وإضفاء شرعية تاريخية زنيفة عليه.

وفي مواجهة هذا الاستيلاء الصهيوني، يخوض علماء الآثار الفلسطينيون، إلى جانب باحثين دوليين، معركة الدفاع عن الذاكرة المادية لفلسطين. تعتمد هذه المعركة على التوثيق العلمي، والمسح الرقمي، الدراسات الأنثروبولوجية لإثبات تعاقب الحضارات على هذه الأرض، ومواجهة محاولات إعادة كتابة تاريخها بما يخدم مشروع الاحتلال. وهنا يُطرح التساؤل: كيف حوّل الاحتلال الصهيوني علم الآثار من حقل معرفي إلى أداة استعمارية لإعادة صياغة الرواية التاريخية وشرعنة الاستيطان؟ وما الآليات القانونية والميدانية التي يعتمدها لفرض هذه السياسة؟

علم الآثار في خدمة الاستعمار

تؤكد الباحثة في علم الآثار أمينة شرافة، في حديثها لموقع “الأيام نيوز” في 4 يوليو 2026، أن خطورة ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا تكمن في أعمال التنقيب بحد ذاتها كنشاط بحثي، وإنما في أدلجة علم الآثار وتحويله من أداة لدراسة الماضي الإنساني بجميع مراحله التعددية، إلى وسيلة سياسية موجهة لإنتاج رواية تاريخية انتقائية تخدم أهداف التوسع الاستيطاني المعاصر.

وتكشف شرافة، استنادًا إلى دراسات أثرية حديثة، أن الاحتلال لم يعد يتعامل مع علم الآثار بوصفه علمًا يبحث في تاريخ جميع الحضارات التي تعاقبت على فلسطين، إنما حوّله إلى أداة لإنتاج رواية تخدم المشروع الاستيطاني. وتوضح أن المؤسسات الأثرية الصهيونية تعمد إلى تضخيم وإبراز المكتشفات التي يمكن توظيفها لخدمة الرواية التوراتية، في حين تُهمَّش أو تُطمس الشواهد الكنعانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية التي تؤكد تعدد الحضارات التي عاشت على هذه الأرض واستمرار الوجود الفلسطيني فيها.

وبذلك، لا تُستخدم اللقى الأثرية لإعادة بناء التاريخ كما هو، وإنما لإعادة صياغته بما يمنح المشروع الاستيطاني غطاءً تاريخيًا يسعى الاحتلال إلى ترسيخه. وتشدد شرافة على أن هذا السلوك يمثل تزييفًا للمنهج العلمي الصارم في علم الآثار، الذي يقوم أساسًا على دراسة وحماية جميع الطبقات الأثرية المتراكمة من الكنعانية والبيزنطية إلى الإسلامية والمسيحية، دون انتقاء أيديولوجي يخدم سلطة القوة.

منظومة المحو والتشريد

تشير المتخصصة أمينة شرافة إلى أن معركة تغيير هوية أرض فلسطين تتجاوز حدود النبش والحفر، بل تتم عبر منظومة استعمارية متكاملة تشمل إعلان المواقع الأثرية أو محيطها كحدائق وطنية ومحميات طبيعية تابعة للاحتلال. هذا الالتفاف القانوني، كما توضح شرافة، يُستخدم كذريعة قانونية لفرض قيود مشددة تمنع الفلسطينيين وأصحاب الأرض المحليين من الوصول إليها أو استغلالها، بالتوازي مع حملة “عبرنة” ممنهجة لإعادة تسمية المواقع التاريخية بأسماء توراتية مخترعة، وتشييد بنية تحتية سياحية ومزارات موجهة تكرس الرواية الصهيونية وتغسل عقول الزوار الدوليين.

وتضيف شرافة أن سلطات الاحتلال الصهيوني تستند في إدارة هذه المواقع الواقعة في عمق الأراضي المحتلة إلى تشريعات عسكرية وآليات إدارية استثنائية، وهو ما ينسف أسس القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، واتفاقية جنيف الرابعة، اللتين تحظران قسرًا على القوة المحتلة تغيير المعالم التراثية للبلاد المستعمرة أو تجييرها لصالح وعيها الذاتي.

الجبهة العلمية لحماية الذاكرة الجماعية

تتحدث الباحثة شرافة عن الاستراتيجية المضادة التي يقودها علماء الآثار في فلسطين بالتنسيق مع شبكات من الباحثين الدوليين. وتتجسد هذه المقاومة المعرفية، حسبها، في إجراء مسوح أثرية ميدانية شاملة، والاعتماد على التوثيق الرقمي ثلاثي الأبعاد، ورسم الخرائط الجغرافية الدقيقة التي تثبت زيف المخططات التهويدية، فضلاً عن جمع الشهادات الشفوية من المسنين والمزارعين لدراسة العلاقة الأنثروبولوجية المتجذرة بين المجتمع المحلي والموقع الأثري.

وتنطلق هذه الجهود، بحسب شرافة، من حقيقة علمية ثابتة وهي أن قيمة الموقع لا تختزلها الحجارة أو اللقى المادية التي يبحث عنها الاحتلال لتبرير خرافاته، بل تشمل أيضًا الذاكرة الجماعية الحية، وأنماط استخدام المكان، واستمرارية الوجود البشري الفلسطيني فيه لآلاف السنين.

وفي ظل هذه المعركة العلمية، تؤكد شرافة أن البعثات الوطنية باتت توظف بذكاء صور الأقمار الاصطناعية، ونظم المعلومات الجغرافية GIS، والأرشفة الرقمية السحابية لإثبات أي تغيرات أو اعتداءات تطال المعالم التاريخية، متسلحة بأدلة علمية دامغة لا تقبل التأويل لتقديمها في التقارير الدولية وأمام الهيئات الأممية والمحاكم المختصة بحماية التراث الإنساني العالمي.

غير أن توظيف آثار فلسطين في المشروع الاستيطاني لا يتوقف عند إعادة صياغة الرواية التاريخية وطمس الهوية الفلسطينية، إنما يمتد إلى تحويل التراث نفسه إلى مورد اقتصادي يخدم ترسيخ الاحتلال على الأرض. فالمواقع الأثرية، بحسب تقارير حقوقية وبحثية متخصصة، باتت تُدار ضمن منظومة تُعرف بـ”السياحة الاستيطانية”، حيث تُستخدم الحفريات والمسارات السياحية والعوائد المالية لتعزيز التوسع الاستيطاني وإعادة تشكيل الواقع الاقتصادي والجغرافي في محيط المواقع الفلسطينية.

تحويل التاريخ إلى رافعة مالية للاستعمار

وفقًا للتقرير التوثيقي الصادر عن مركز “إيمك شافيه” الحقوقي المتخصص في حماية الآثار، فإن العوائد المالية الضخمة الناتجة عن رسوم دخول ملايين السياح إلى المواقع الأثرية في القدس لا تذهب للمرفق العام، بل يعاد استثمارها وتوظيفها مباشرة في تمويل مشاريع التوسع الاستيطاني، وشراء العقارات الفلسطينية، وتأمين الحراسة المسلحة للمستوطنين في مناطق مثل وادي حلوة وسلوان.

ويشير المركز إلى أن المواقع الأثرية المتجذرة في قلب البلدات الفلسطينية لا تُعامل كشواهد تاريخية إنسانية، بل يتم تحويلها بقرارات سياسية عسكرية إلى حدائق وطنية عامة، ما يتيح لسلطة الآثار والبلديات الاحتلالية نقل إدارتها بالكامل إلى جمعيات استيطانية متطرفة مثل جمعية “إلعاد” في بلدة سلوان، لتحويل التاريخ إلى حجر زاوية في منظومة اقتصادية متكاملة تُعرف بـ”السياحة الاستيطانية”.

خنق الاقتصاد المحلي وإبادة المنتج الوطني

بناءً على الأرقام والدراسات الصادر عن معهد الأبحاث التطبيقية بالقدس “أريج”، تعمد وزارة السياحة الصهيونية إلى دمج هذه المواقع الفلسطينية ضمن الخرائط والمسارات السياحية الرسمية للدولة، مستعينة بشبكة معقدة من الطرق الالتفافية والأنفاق التي تعزل السائح عزلًا بصريًا وجغرافيًا كاملاً عن المحيط الفلسطيني، ما يؤدي إلى احتكار الأرباح بالكامل لصالح الشركات والأدلاء السياحيين الصهاينة.

ويوضح المعهد أن المنشآت الفلسطينية المحيطة بهذه المواقع من فنادق، ومطاعم، ومحلات لبيع التحف التراثية، تواجه سياسة خنق ممنهجة؛ حيث يُمنع أصحابها من تطوير مرافقهم أو ترميمها بحجة الحفاظ على المناطق الأثرية، بالتزامن مع إثقال كاهلهم بالضرائب الباهظة لإجبارهم على الإغلاق وترك الساحة للمستثمرين المستوطنين.

وتؤكد البيانات والتقارير الرسمية لوزارة السياحة والآثار الفلسطينية، خاصة في ملف بلدة سبسطية الأثرية شمال نابلس، أن الفيتو العسكري الذي يفرضه الاحتلال في المناطق المصنفة ج والتي تضم أكثر من 60% من الإرث الأثري الفلسطيني يمنع الطواقم والبلديات الفلسطينية من تنقيب، أو ترميم، أو تأهيل ملاعب التاريخ، وهو حظر ميداني متعمّد يمنع قيام أي سياحة وطنية مستقلة قادرة على دعم صمود المجتمع المحلي اقتصاديًا وثقافيًا.

وفي السياق ذاته، يكشف المرصد الحقوقي “كيرم نافوت” المتخصص في تتبع مصادرة الأراضي بالضفة الغربية، أن الاحتلال يُسخر هذه المواقع لترويج بضائع المستوطنات؛ كالنبيذ المصنع في الأراضي المغتصبة، والتحف التي تحمل رموزًا توراتية، ما يحقق إبادة تسويقية للمنتج الثقافي واليدوي الفلسطيني على الساحة الدولية، مستندًا إلى التعديلات التشريعية الأخيرة في الكنيست عبر قانون سلطة التراث في يهودا والسامرة.

صراع على آخر طبقات الأرض

تثبت الوقائع في فلسطين، اليوم، أن معركة السيطرة على التاريخ لا تقل شراسة عن معركة السيطرة على الجغرافيا. فقد تحوّل علم الآثار فيها إلى أداة استعمارية متكاملة؛ تبدأ من انتقاء الروايات وتزوير المنهج العلمي، وتمر بخنق الاقتصاد المحلي وعزل البلدات الفلسطينية مثل سبسطية وسلوان، وتصل إلى تحويل التراث إلى استثمار مالي يغذي المستوطنات.

ولعل ما يجعل هذه المعركة أكثر خطورة أنها تستهدف ما قد يبقى حتى بعد زوال الاحتلال. فالأرض يمكن أن تستعيد أهلها، والبيوت يمكن أن تُرمَّم، لكن تزوير التاريخ، إذا تُرك بلا مواجهة علمية وقانونية، قد يخلّف روايات يصعب تصحيحها في الوعي العالمي. ومن هنا، فإن حماية الآثار الفلسطينية هي دفاع عن ذاكرة شعب وحقه في تاريخه، وعن سجل حضاري لا ينبغي أن يُعاد تشكيله لخدمة مشروع استيطاني، بل يجب أن يبقى شاهدًا على الحقيقة كما حفظتها الأرض عبر آلاف السنين.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى