أخبار العالمثقافة وفنونملفات وتقارير

رحيل الأديبة الإيرانية شهرنوش بارسيبور في أمريكا بعد عقود من السجن والنفي

غيب الموت في الولايات المتحدة الأمريكية، الروائية والكاتبة والمترجمة الإيرانية البارزة شهرنوش بارسيبور، عن عمر يناهز 79 عاماً، وذلك بعد صراع قصير مع المرض قضت على إثره نحو أسبوع كامل في مستشفى يقع بالقرب من مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا. ويأتي رحيل بارسيبور ليطوي صفحة أدبية وثقافية حافلة بالتقلبات والصدامات السياسية، حيث عاشت الراحلة مسيرة طويلة تركت خلالها بصمة عميقة للغاية في متن الأدب الإيراني المعاصر، ودفعها موقفها الفكري إلى دفع أثمان باهظة من حريتها واستقرارها الشخصي، متنقلة بين زنازين الاعتقال ومتاهات المنافي البعيدة.

ولدت الأديبة الراحلة في العاصمة الإيرانية طهران في عام 1946، ونشأت في أجواء قادتها لاحقاً إلى دراسة العلوم الاجتماعية في جامعة طهران، وهو التخصص الذي منحها رؤية نقدية وفاحصة للمجتمع. ومع حلول أوائل سبعينيات القرن 20، نجحت بارسيبور في اقتحام عالم الأدب بقوة، لتبدأ مسيرتها المهنية والإبداعية التي لفتت الأنظار إليها بسرعة فائقة، خاصة بعد نشر روايتها الشهيرة التي حملت عنوان “الكلب والشتاء الطويل”، والتي شكلت نقطة انطلاق حقيقية ثبتت أقدامها كصوت روائي جديد وجريء في الساحة الثقافية المحلية، بالتزامن مع عملها لفترة من الوقت في التلفزيون الوطني الإيراني.

رصد القيود وتجارب النساء خلف القضبان

تميزت التجربة الإبداعية للكاتبة شهرنوش بارسيبور بتركيزها المطلق والمكثف على رصد أدق تفاصيل تجارب المرأة الحياتية في مجتمع محاط بالقيود، وتسليط الضوء على حجم الضغوط المجتمعية العنيفة التي تواجهها النساء، ومحاولاتهن المستمرة والساعية نحو نيل الحرية والانعتاق. ولم تكن كتابات الراحلة مجرد سرد خيالي، بل كانت انعكاساً لواقع مرير اصطدمت به بشكل مباشر وعنيف عقب اندلاع الثورة الإيرانية في عام 1979؛ حيث كانت الكاتبة قد غادرت بلادها مؤقتاً لكنها اتخذت قراراً بالعودة إلى إيران في عام 1980، وهو القرار الذي كلفها الكثير.

فور عودتها، جرى إلقاء القبض على شهرنوش بارسيبور من قبل السلطات، لتقبع خلف قضبان السجن فترة مريرة ناهزت 4 سنوات كاملة. ويرى النقاد والمحللون الأدبيون أن سنوات الاعتقال تلك لم تكن مجرد فترة عزل جسدي، بل تحولت إلى محرك أساسي ومخزون تجريبي أثر بشكل عميق وصادم على توجهاتها الفكرية اللاحقة، حيث برزت مواضيع القمع والحرية والمقاومة كأعمدة رئيسية صلبة بنيت عليها كافة أعمالها الأدبية والروائية التي صاغتها في الفترات التالية، مستلهمة من مرارة التجربة الإنسانية داخل الزنزانة.

من مبيعات الكتب إلى الهجرة القسرية

عقب إطلاق سراحها من السجن، لم تستسلم بارسيبور لسياسات التضييق، وحاولت جاهدة إعادة بناء حياتها وسط مناخ خانق، فعملت بكد في مجالات متعددة شملت الترجمة، وكتابة الدراسات الثقافية المعمقة، بل وقامت بافتتاح وإدارة مكتبة لبيع الكتب كوسيلة للبقاء والتواصل مع الجمهور المثقف. ورغم ذلك، تزايدت وتيرة الملاحقات والمضايقات الخانقة والقمع الفكري الممنهج الذي واجهته من قبل الأجهزة الرسمية، الأمر الذي جعل الاستمرار في العيش والكتابة داخل إيران أمراً مستحيلاً، ودفعها في نهاية المطاف إلى اتخاذ القرار الصعب بالهجرة القسرية وترك وطنها نهائياً والتوجه صوب الولايات المتحدة الأمريكية.

واستقرت الكاتبة الراحلة منذ أواخر تسعينيات القرن 20 في مناطق شمال ولاية كاليفورنيا الأمريكية، وتحديداً في محيط سان فرانسيسكو، حيث أمضت العقود الأخيرة من حياتها في المنفى. ولم يمنعها البعد عن موطنها الأصلي من مواصلة مشروعها الأدبي، بل استمرت في الإنتاج الفكري الغزير ونشر العديد من الروايات والمؤلفات الجريئة التي واصلت تعرية الواقع الثقافي والاجتماعي، وظلت متمسكة بقلمها كأداة للمقاومة حتى الأيام الأخيرة من حياتها، لترحل تاركة وراءها إرثاً إبداعياً وثق محطات المعاناة والاضطهاد السياسي والاجتماعي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى