أخبار العالماقتصادملفات وتقارير

سقوط الأقنعة السياسية في أمريكا 4 شركات كبرى تحتكر اقتصاد العالم وتلتهم الليبرالية

تتصاعد في الكواليس السياسية داخل الولايات المتحدة معارك طاحنة تعيد رسم خريطة النفوذ، وسط موجة غير مسبوقة من الجدل العميق حول الهوية الفكرية الحاكمة للمستقبل الأمريكي. وفي اللحظة الراهنة التي تشهد قفزات متتالية للاشتراكيين الديمقراطيين داخل المدن الأمريكية الكبرى، وتمدد الخطاب الشعبوي العنيف على ضفتي المحيط الأطلسي، خرج الكاتب والمحلل البارز فريد زكريا ليوجه صفعة قوية للنخب الحاكمة، داعيًا الليبراليين إلى مراجعة جذرية فورية لموقعهم السياسي، والتحول نحو مسار أكثر راديكالية قبل فوات الأوان.

زكريا، في مقال رأي نُشر بصحيفة “واشنطن بوست” في الأشهر الماضية من عام 2026، كشف العورات الهيكلية للنظام الحالي، مؤكدًا أن الأزمة الراهنة لا تعني موت الليبرالية كفكرة، بل تكمن في فقدانها الكامل لطبيعتها الأصلية كقوة متمردة تقاتل ضد الامتيازات الطبقية، وتواجه الاحتكار، وتكسر هيمنة السلطة المتكلسة. ويرى زكريا أن الفكر الليبرالي وُلد تاريخيًا كشعلة تغيير راديكالية، تهاجم الأرستقراطية، وتدمر الرقابة، وتفكك النقابات المغلقة ورجال الدين، لكنه تحول اليوم بشكل غريب إلى أيديولوجيا محافظِة تستميت للدفاع عن الوضع القائم وحماية مكتسبات النخبة.

التشخيص الصادم يكشف أن الليبرالية الحديثة ارتمت في أحضان المؤسسات الكبرى التي كان يُفترض بها أن تحاسبها، لتصبح حليفًا وثيقًا للجامعات النخبوية، ووسائل الإعلام الموجهة، والشركات العابرة للقارات، والبيروقراطيات الحكومية المعقدة، والمنظمات الوقفية الضخمة. هذا التحول جعلها تمثل المنظومة الحاكمة بدلًا من التعبير عن الجماهير. واستند زكريا في هذا الطرح المقلق إلى كتاب أدريان وولدريدج الأحدث “المركز الثوري”، الذي يعيد قراءة التاريخ ليؤكد أن قوة الليبرالية تنبع من كونها أداة هدم وإعادة بناء، لا أداة إدارة بيروقراطية باردة.

تأتي هذه الأطروحة المدوية وسط حراك سياسي ساخن؛ ففي بريطانيا برز آندي بيرنهام كمرشح قوي لخلافة كير ستارمر، حاملًا شعار “المانشستريزم” الذي نقلته وكالة رويترز، وهو مشروع يسعى لانتزاع السلطة من لندن وتوزيع الثروة محليًا. أما في أمريكا، فقد تفجرت المفاجأة في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية بنيويورك، حيث حقق التيار اليساري فوزًا كاسحًا مدعومًا من عمدة نيويورك زهران ممداني ومنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين، وهو ما وصفته صحيفة الغارديان بأنه زلزال سياسي يمنح هذا التيار زخمًا هائلًا للسيطرة على مستقبل الحزب الديمقراطي بالمدن الكبرى، ويهدد عرش القيادات التقليدية المحسوبة على المؤسسة الحزبية.

ومع ذلك، يوضح زكريا أن المشهد لا يعني ارتماء أمريكا بالكامل في أحضان الاشتراكية، إذ لا يزال الديمقراطيون المعتدلون والوسطيون، وخاصة ذوي الخلفيات الأمنية والعسكرية، يحققون انتصارات قوية في الدوائر التنافسية خارج نيويورك. الأزمة الحقيقية تتلخص في تآكل ثقة نوع محدد من الليبرالية النخبوية التي انقطعت صلتها تمامًا بالقواعد الشعبية التي تزعم تمثيلها والدفاع عنها.

ويرصد التقرير إخفاقين كارثيين لليبرالية المعاصرة؛ الأول هو السلبية المطلقة والاستسلام؛ فمنذ تسعينيات القرن 20، فرطت الليبرالية في أدواتها باحتفائها الأعمى بالأسواق الحرة غير المنضبطة والحريات الفردية المطلقة، معتبرة الآثار الجانبية المدمرة ثمنًا طبيعيًا للحرية. هذا التراخي سمح بتمدد احتكارات مرعبة، واتساع فجوة اللامساواة بشكل غير مسبوق، فضلًا عن العجز المخزي عن تسمية السلوكيات الهدامة بأسمائها الحقيقية، مثل تفشي الإدمان، والتفكك الأسرى، وسيطرة حيتان التكنولوجيا والغذاء على عقول وحياة الأفراد. وهنا يستدعي زكريا مفهوم “الأبوية الليبرالية” الذي يفرض المسؤولية الفردية إلى جانب الحقوق، مؤكدًا أن الحرية تنهار تحت وطأة الجهل والاحتكار والجريمة.

أما الإخفاق الثاني، فيتعلق بتحويل نظام “الجدارة والاستحقاق” إلى أرستقراطية جديدة مشوهة. فالليبرالية التي دافعت تاريخيًا عن صعود الأفراد بموهبتهم، قامت نخبها المعاصرة ببناء حصون ناعمة لحماية أنفسهم وأبنائهم عبر جامعات مغلقة بأسوار مالية باهظة، وأحياء سكنية فاخرة ترفض بناء مساكن شعبية، وبيروقراطيات معقدة تقيس البشر بناءً على هويات جماعية ضيقة، مما جعل التعليم أداة لإعادة إنتاج الامتيازات الطبقية وتوريثها بدلاً من كسرها وتدميرها.

هذا الفراغ القاتل منح الاشتراكيين والشعبويين اليمينيين فرصة ذهبية للنمو السريع؛ فالجماهير الغاضبة لم تعد تبحث عن خطابات عقلانية باردة، بل تريد قوة سياسية مستعدة للقتال الشرس من أجلها في الشوارع وصناديق الاقتراع. وفيما يقدم اليسار صراع الطبقات وسيطرة الدولة الكاملة، يطرح اليمين الحماية القومية وإثارة الاستياء، ليتفق الطرفان على الظهور بمظهر المتمرد الخارج على المنظومة الفاسدة، بينما تظهر الليبرالية التقليدية في صورة المتهم الذي يستميت لحماية نظام تداعى ولم يعد يقنع أحداً من المواطنين.

التقرير يخلص إلى أن الحل لا يكمن في تدمير الأسواق الحرة أو التخلي عن الفردانية، بل في انتزاعها من براثن الصورة المشوهة الحالية؛ فالسوق الليبرالية الحقيقية يجب ألا تخضع لاحتكار 4 شركات كبرى تتحكم في مصائر الملايين، بل يجب أن تكون ساحة مفتوحة تضمن صعود القادمين الجدد، وحرية الاختيار المستهلكين، وسقوط الشركات الفاشلة دون حماية حكومية. كما أن الجدارة الحقيقية تقتضي تحويل النظام إلى مسار عدالة حقيقي يمنح الطفل الفقير فرصة واقعية متكافئة للمنافسة والصعود الصاروخي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى