مصرملفات وتقارير

الاحتفال السنوي باليوم العالمي للنوبة في 7 يوليو لاستعادة التراث المفقود

شهدت العقود الأخيرة تحولات جذرية في ملف الهوية والثقافة النوبية، حيث تبلورت في عام 2004 مبادرة حقوقية وثقافية أطلقتها التكتلات النوبية لإقرار يوم 7 يوليو من كل عام يوماً عالمياً للنوبة. ويأتي اختيار هذا التاريخ تحديداً، السبع من الشهر السابع، مدفوعاً برمزية عقائدية وتاريخية مقدسة للرقم 7 في الوجدان النوبي، حيث يرتبط هذا الرقم بتفاصيل دقيقة في الطقوس اليومية، مثل غسل وجه وعظام المولود الجديد 7 مرات في مياه نهر النيل، وعبور الأم فوق البخور 7 مرات عقب الولادة، فضلاً عن حضور الرقم الجوهري في مراسم طقوس الزواج والطهور. وتهدف هذه المناسبة السنوية إلى تسليط الضوء على المعاناة التاريخية وحماية الهوية من الاندثار الشامل.

تستمد النوبة اسمها من الكلمة المصرية القديمة “نوبو” والتي تعني الذهب، في إشارة مباشرة إلى مناجم الذهب الشاسعة التي زخرت بها وادي العلاقي. وتمتد بلاد النوبة تاريخياً من جنوب مصر إلى أعماق نهر النيل، لتشمل ممالك حضارية كبرى مثل كوش، ومروي، ونباتا، متداخلة مع دول حوض النيل التي تضم إثيوبيا، وتنزانيا، والسودان، والكونغو. وينقسم المجتمع النوبي جغرافياً وثقافياً إلى 3 مناطق أساسية؛ المنطقة الشمالية ويسكنها الكنوز ويتحدثون اللغة الماتوكية، والمنطقة الوسطى التي تسكنها القبائل العربية وتضم 6 قرى يتحدث أهلها العربية بجانب النوبية، والمنطقة الجنوبية التي يقطنها الفاديجا.

وعلى الرغم من هذا العمق الحضاري الذي يمتد لآلاف السنين كأحد أقدم الشعوب المتحضرة، واجه النوبيون سلسلة من عمليات التهجير القسري بدأت في عام 1902 مع إنشاء خزان أسوان لحل أزمات فيضان النيل. وتوالت الهجرات المتقطعة حتى بلغت ذروتها المأساوية في عام 1963 بالتزامن مع بناء السد العالي، حيث قامت الحكومة المصرية بتهجير سكان 44 قرية نوبية بالكامل، وتفريغ مساحة تصل إلى 350 كيلومتراً مربعاً من قاطنيها الأصليين، وتحويل أرضهم التاريخية إلى قاع لبحيرة ناصر.

وفي الوقت الذي انتفض فيه المجتمع الدولي منظمة اليونسكو لإنقاذ الآثار والمواقع المعمارية مثل معبدي أبو سمبل وفيلة من الغرق عبر حملات استمرت عقدين من الزمان، عانى الإنسان النوبي من التهميش الشديد. فقد تم اقتلاع عشرات الآلاف من النوبيين من قراهم الخصبة وضفاف النيل، وإعادة توطينهم في مناطق صحراوية قاحلة لا تصلح للزراعة، مما تسبب في أزمة اقتصادية طاحنة دفعت بالشباب إلى الهجرة القسرية بحثاً عن العمل، وأدى بالتالي إلى تهديد حقيقي للغة والعادات والتقاليد النوبية نتيجة التشتت الجغرافي.

وفي العصر الحالي، يتحول اليوم العالمي للنوبة في المجتمعات المحلية وفي دول الشتات إلى تظاهرة لإحياء التراث المهدد. وتشمل الفعاليات ارتداء الأزياء التقليدية المتمثلة في الجلباب الأبيض والعمامة للرجال، والثياب الملونة المطرزة بالذهب للنساء، مع تنظيم معارض للمشغولات اليدوية من الخوص والتطريز، وتقديم الأكلات الأصيلة على أنغام الدف والموسيقى التراثية، لتعزيز الوعي باللغة النوبية وحمايتها من الضياع اللغوي.

ويبقى ملف “حلم العودة” إلى ضفاف بحيرة ناصر قريباً من القرى الأصلية محركاً أساسياً للنضال النوبي المستمر. ورغم الوعود الرسمية المتعاقبة بمنح الأولوية لأهل النوبة في تملك الأراضي الواقعة بأقصى جنوب مصر، إلا أن الواقع شهد احتجاجات واسعة من النشطاء النوبيين ضد القرارات الحكومية بطرح أراضي منطقتي “توشكى” و”خورقندي” — اللتين تقعان ضمن أراضي النوبة القديمة — للبيع بالمزاد العلني أو حق الانتفاع للشركات الاستثمارية ضمن المشروع القومي لاستصلاح 1.5 مليون فدان، مما يحرم السكان الأصليين من حقوقهم المشروعة في تنمية أراضيهم التاريخية وإعادة إعمارها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى