أخبار العالمحقوق وحرياتملفات وتقارير

جدار الحجاب في إيران: كيف يوظف النظام أجساد النساء لإخفاء كوارث الفقر؟

في قلب مدينة كرمانشان، الواقعة غربي إيران، تتجلى مأساة حقيقية تفضح طبيعة الأولويات لدى النظام الحاكم. في السبت، الموافق 4 يوليو 2026، التقطت الأعين مشاهد قاسية لامرأة تنبش في حاويات القمامة بحثاً عن كسرة خبز تسد جوعها، وبالقرب منها طفل يستجدي المارة حافي القدمين. هذا الواقع المزري يمثل الواجهة الحقيقية لمدن شرق كردستان الإيرانية، حيث ينهش الفقر والحرمان أجساد المواطنين بعيداً عن الأرقام الرسمية المضللة. وفي المقابل، تتجاهل السلطات هذه الكوارث المعيشية، وتصب كامل تركيزها ومواردها على ملء جدران الشوارع بشعارات دينية صارمة مثل “السفور يجلب العذاب الإلهي”، في خطوة تكشف بوضوح كيف تحول الحجاب من رمز ديني إلى أداة سياسية وأمنية لفرض السيطرة وصرف الأنظار عن الأزمات الطاحنة، لتصبح أجساد النساء ساحة مفتوحة لتمرير الأجندات الرسمية.

التغطية على الانهيار المعيشي خلف جدران الأيديولوجيا

على مدار أكثر من 4 عقود من حكم الجمهورية الإسلامية الإيرانية، دأبت السلطة على استخدام قضية الحجاب كغطاء استراتيجي لحجب الرؤية عن معاناة الشعب المتفاقمة. لم يعد الحجاب في المنظور الرسمي مجرد مسألة ثقافية، بل ركيزة أساسية من ركائز القمع المؤسسي. تخصص الدولة ميزانيات ضخمة وموارد بشرية هائلة لفرض الزي الإجباري، وتسن القوانين التعسفية، وتشن الحملات الدعائية المكثفة، ممارسة كافة أشكال العنف المنظم ضد النساء، إذ تصر الدولة على فرض قناعاتها الأيديولوجية بقوة السلاح والدعاية الممنهجة لحماية شرعيتها المتآكلة.

يهدف هذا التركيز المفرط إلى صناعة عدو وهمي داخل المجتمع، وتحميل المرأة مسؤولية الأزمات الأخلاقية والمجتمعية، مما يتيح للنظام إخفاء فشله الذريع في إدارة الملف الاقتصادي، والسيطرة على رقعة الفقر المتسعة، والفساد البنيوي المستشري، وتفشي البطالة والإدمان. عندما تخرج امرأة دون حجاب، يتعامل معها النظام كمهدد أمني خطير يفوق في كوارثه فقر العائلات وتشرد الأطفال، مما يعكس انقلاباً تاماً في سلم الأولويات الإنسانية والسياسية.

شهادات حية: إعادة إنتاج منظومة “شرطة الأخلاق” بأساليب خفية

توثق الناشطة الحقوقية فرنكيس ب. هذا الواقع المرير، مشيرة إلى أن عبارات مثل شرطة الأخلاق و اسحبي وشاحك إلى الأمام تحولت إلى أدوات يومية لبث الرعب والترهيب في نفوس الإيرانيات. وتؤكد الناشطة أنه على الرغم من إعلان السلطات الشكلي عن إلغاء شرطة الأخلاق عقب انتفاضة جينا أميني الشعبية، فإن الواقع يثبت أن المنظومة القمعية لم تندثر، بل أعادت إنتاج نفسها بأساليب جديدة وأكثر خباثة، تشبه انسلاخ الأفعى عن جلدها الفاسد.

“لم يعد الحجاب مجرد لباس تقليدي بل تحول إلى وسيلة ممنهجة للقمع ونشر الخوف، وتكتب السلطات اليوم رسائل تهديد علنية في شوارع المدينة، فارضة عقوبات مالية باهظة وحرماناً تاماً من الخدمات العامة والصحية والتعليمية والمصرفية لكل امرأة ترفض الانصياع لأوامرها.”

تتجاوز الغرامات المالية حدود المنطق، وتلاحق السلطات النساء بوسائل تقنية وأمنية خفية في الشوارع، بل وتمتد التهديدات لتشمل الوعيد بعقوبات غيبية وما ورائية، في محاولة مستميتة لربط كل مشكلات المجتمع بطريقة لباس المرأة.

شرعنة العنف المنظم وقلب معايير العدالة القانونية

تحول النظام القانوني في إيران إلى سوط مسلط على أجساد النساء لضبط سلوكهن بالقوة. تمنح القوانين الحالية غطاءً رسمياً ومباشراً لممارسة العنف والاضطهاد ضد المرأة، حيث تُرسل الدولة رسالة واضحة للمجتمع مفادها أن أي خروج عن معايير الحجاب الرسمية يعرض صاحبتها للاعتداء دون حماية قانونية، وتتحول أروقة المحاكم إلى منصات لإدانة الضحايا بدلاً من توفير الحماية الجنائية لهن. يظهر هذا الخلل الفادح في قضايا التحرش والاعتداءات الجنسية، إذ تتحول الضحية إلى متهمة رئيسية تُطالب بإثبات براءتها، بينما يفلت المعتدي من المحاسبة بذريعة أن ملابس المرأة هي التي “استفزت” غرائزه.

أسس هذا الخطاب الرسمي ثقافة أبوية مشوهة تربط “شرف” الرجل بملابس المرأة، وتروج لشعارات تتهم رجال العائلات بنقص الغيرة إذا لم يفرضوا الحجاب على قريباتهم. وفي المقابل، تواجه جرائم قتل النساء على أيدي الآباء أو الأزواج بعقوبات مخففة للغاية، مما يكرس سلطة الرجل كحارس ومُعاقب، ويجعل المرأة مجرد موضوع للرقابة. ويعد مقتل الشابة “جينا أميني” عقب احتجازها من قبل شرطة الأخلاق، واعتداءات طالت آلاف النساء الأخريات، دليلاً دامغاً على دموية هذه المنظومة.

ازدواجية المعايير: قمع الشوارع مقابل تسامح الانتخابات المزيف

تتجلى انتهازية النظام الإيراني في استغلاله المرن لقضية الحجاب حسب المصالح السياسية المؤقتة. فبينما تُقمع النساء في الشوارع يومياً، تحرص الماكينة الإعلامية الرسمية خلال الفعاليات الحكومية والانتخابات، على إبراز صور نساء غير ملتزمات بالزي الإسلامي. تستهدف هذه الازدواجية تضليل الرأي العام وإيجاد تناقض مربك يغطي على الاضطهاد المستمر. يظل الحجاب أداة سياسية مرنة للهيمنة، تُفرَض تارة بالعنف لتثبيت أركان الحكم، وتُستغل تارة أخرى لصناعة شرعية زائفة، لتظل المرأة الإيرانية الضحية الأولى في معركة البقاء والسيطرة التي يخوضها النظام ضد تطلعات وطموحات كافة فئات شعبه الثائر المظلوم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى