زي النهاردة 5 يوليو 1968.. كواليس الأيام الأخيرة في حياة دوق السينما عبدالسلام النابلسي

يصادف اليوم 5 يوليو ذكرى رحيل واحد من أشهر صناع البهجة في تاريخ الفن العربي، وهو الفنان عبد السلام النابلسي، الذي غادر عالمنا في مثل هذا اليوم من عام 1968. ولم يكن النابلسي مجرد ممثل كوميدي عادي، بل كان ظاهرة فنية فريدة جمعت بين الأرستقراطية والكوميديا الراقية. ورغم أنه عاش يضحك الملايين، فإن تفاصيل حياته وأيامه الأخيرة حملت الكثير من الأسرار والكواليس المثيرة التي بدأت من أروقة الأزهر الشريف وانتهت بأزمة حادة مع مصلحة الضرائب المصرية أجبرته على الرحيل الصادم.
ولد الفنان عبد السلام النابلسي في 23 أغسطس عام 1899 في مدينة عكار الواقعة شمال طرابلس بلبنان، إلا أن جذوره العائلية وأصوله الحقيقية تعود إلى مدينة نابلس في فلسطين. ونشأ النابلسي في وسط عائلة متدينة للغاية، حيث كان جده هو قاضي نابلس الأول، وتولى والده المنصب ذاته لاحقاً. وعندما بلغ الشاب عبد السلام العشرين من عمره، قرر والده إرساله إلى العاصمة المصرية القاهرة ليلتحق بالأزهر الشريف. وبالفعل نجح في حفظ القرآن الكريم كاملاً، وبرع بشكل لافت في علوم اللغة العربية، بالإضافة إلى إتقانه الشديد للغتين الفرنسية والإنجليزية اللتين تعلمهما خلال فترة تواجده في بيروت. وفي عام 1925، بدأ النابلسي أولى خطواته المهنية في الصحافة الفنية والأدبية، وعمل في مجلات شهيرة آنذاك مثل مجلة “مصر الجديدة” و”اللطائف المصورة” و”الصباح”.
من الصحافة إلى شاشات السينما ومقعد المخرج المساعد
جاءت الفرصة الأولى للنابلسي في عالم السينما على يد المنتجة الكبيرة السيدة آسيا داغر، والتي رشحته للمشاركة في فيلم “غادة الصحراء” من إخراج وداد عرفي في عام 1929. ورغم هذه البداية، فإن فيلم “وخز الضمير” في عام 1931 للمخرج إبراهيم لاما كان هو البوابة الحقيقية التي فتحت له أبواب السينما على مصراعيها خلال فترة الثلاثينيات. وتشارك النابلسي في تلك الحقبة مع أبرز رموز الفن والسينما، ومنهم الأخوان لاما، وتوجو مزراحي، ويوسف وهبي، وآسيا داغر، وأحمد جلال.
ولم يتوقف طموح عبد السلام النابلسي عند حدود الوقوف أمام الكاميرا كممثل فقط، بل امتد ليعمل كمساعد مخرج في العديد من الأعمال السينمائية، وخاصة الأفلام التي قدمها الفنان يوسف وهبي. ولكن بحلول عام 1947، اضطر النابلسي للتفرغ التام والكامل لمجال التمثيل، وجاء ذلك التحول عقب مشاركته في فيلم “القناع الأحمر”، وخاصة بعد أن زاد الطلب عليه من المنتجين نتيجة انتشار موجة الأفلام الكوميدية في ذلك الوقت.
التحول من أدوار ابن الذوات المستهتر إلى رفيق العندليب والبطولة المطلقة
تاريخ عبد السلام النابلسي السينمائي يشير إلى أن بداياته لم تكن كوميدية على الإطلاق، بل انحصرت في تقديم أدوار الشاب المستهتر وابن الذوات الأرستقراطي. ولم يكن مضحكاً في أفلام عديدة قدمها في تلك الفترة، ومنها فيلم “العزيمة” للمخرج كمال سليم عام 1939، وفيلم “ليلى بنت الريف” للمخرج توجو مزراحي عام 1941، وفيلم “الطريق المستقيم” لنفس المخرج عام 1943.
وتحولت مسيرته بالكامل في عام 1955 عندما ظهر لأول مرة مع العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ في فيلم “ليالي الحب”، لتتوالى لقاءاتهما الناجحة في أفلام “فتى أحلامي” عام 1957، و”شارع الحب” عام 1958، و”حكاية حب” عام 1959، و”يوم من عمري” عام 1961. وحقق النابلسي حلم البطولة المطلقة عبر فيلم “حلاق السيدات”. وكان آخر أفلامه مع الموسيقار فريد الأطرش في عام 1956 وهو فيلم “إزاي أنساك”. كما شارك الفنانة فاتن حمامة والنجم عمر الشريف في فيلم “أرض السلام” للمخرج كمال الشيخ عام 1957، وقدم فيه دوراً إنسانياً استثنائياً يختلف عن كل أدواره؛ حيث جسد شخصية رجل فلسطيني يعيش مع عشيرته تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، ويظهر طوال الأحداث بمظهر الرجل المتخاذل والجبان، لكن النهاية تكشف للجميع أنه كان أول من ضحى بحياته لمساعدة الفدائي المصري في عملية فدائية خلف خطوط العدو. وشهدت مسيرته أيضاً شراكة كوميدية ناجحة وقوية، حيث تقاسم بطولة أفلام عديدة مع الفنان إسماعيل ياسين.
أزمة الضرائب الحادة والهروب الصادم إلى لبنان
مع نهاية عام 1962، كان من المقرر والمفترض أن يشارك عبد السلام النابلسي الفنان عبد الحليم حافظ في فيلمه الشهير “معبودة الجماهير”، وهو الدور الذي ذهب في النهاية إلى الفنان فؤاد المهندس بسبب الظروف المفاجئة التي مر بها النابلسي؛ حيث تدهورت الأوضاع المالية للفنان الراحل وتفاقمت مشاكله بشكل حاد مع مصلحة الضرائب المصرية التي طالبته بسداد مبلغ ضخم في ذلك الوقت وصل إلى 13 ألف جنيه. ولم تفلح محاولاته المستمرة والتي بدأها في عام 1961 لتخفيض القيمة إلى 9 آلاف جنيه. وأمام هذا المأزق، لجأ النابلسي إلى حيلة إرسال حوالة شهرية للمصلحة بقيمة 20 جنيهاً فقط، وهو الأمر الذي كان يعني أن تسديد كامل المبلغ المستحق عليه يتطلب استمرار السداد لمدة 37 عاماً، مما دفعه في النهاية إلى مغادرة مصر نهائياً والرحيل إلى لبنان ليموت هناك تاركاً خلفه إرثاً فنياً خالداً.







