من ذاكرة التاريخ.. أسرار وخفايا في حياة «بابا عبده» عبدالمنعم مدبولي الذي أبكى الملايين وخدعته السينما

تزخر ذاكرة التاريخ الفني بالعديد من المحطات والتحولات التي شكلت وجدان الملايين، ومن بين هذه المحطات تبرز سيرة ومسيرة أحد أعظم رموز الفن والكوميديا في مصر والعالم العربي، الفنان القدير عبد المنعم مدبولي. لقد رحل هذا العملاق عن عالمنا في 9 يوليو 2006، تاركاً وراءه إرثاً فنياً ضخماً وثروة إبداعية غيرت مفاهيم الأداء الكوميدي، وملأت بيوت المصريين والعرب بالضحك الراقي والفن الحقيقي الذي لا يموت.
لم يكن عبد المنعم مدبولي مجرد فنان عابر يضحك الناس بكلمات مرتجلة، بل كان مدرسة متكاملة الأركان في المسرح والتلفزيون والسينما. تميز بصوته الأجش المميز، وضحكته الخفيفة التي تنفذ إلى القلوب بلا استئذان، وروحه القريبة جداً من المواطن البسيط في الشارع المصري. نجح عبد المنعم مدبولي في أن يبني علاقة خاصة جداً واستثنائية مع الجمهور، وهي علاقة قائمة على البساطة المطلقة والصدق والدفء الإنساني.
اشتهر الفنان الراحل بين جمهوره بلقب «بابا عبده»، وهي الشخصية الدرامية الإنسانية التي أحبها وتأثر بها الملايين في مسلسل «أبنائي الأعزاء شكراً». لكنه في واقع الأمر وبشهادة جميع معاصريه، كان الأب الروحي الحقيقي للكوميديا المصرية المعاصرة، وصاحب بصمة ذهبية لا يمكن أن تمحى من تاريخ المسرح العربي والدراما التلفزيونية والسينمائية.
بدأت موهبة عبد المنعم مدبولي تتفتح في وقت مبكر جداً من حياته، حيث قادته خطاه في البداية للالتحاق بكلية الفنون التطبيقية، وتخرج بالفعل في قسم النحت، وهو الأمر الذي أكسبه قدرة فائقة على تشكيل وتجسيد الشخصيات بصورة احترافية. ولم يكتفِ بالموهبة الفطرية بل التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية ليصقل موهبته بالدراسة الأكاديمية. كانت بدايته الفنية الأولى مع فرقة الفنان الكبير جورج أبيض، ثم تألق بشكل لافت للنظر في برامج الأطفال الإذاعية الشهيرة مع «بابا شارو»، قبل أن ينطلق بقوة على خشبة المسرح ويبدأ في بناء مجده الفني الأصيل.
أسس الفنان الراحل فرقته الخاصة التي حملت اسم «المسرح الحر»، ولم يتوقف طموحه عند هذا الحد بل شارك بقوة في تأسيس «فرقة الفنانين المتحدين»، ثم أطلق بعد ذلك فرقته الشهيرة «فرقة المدبوليزم» التي قدم من خلالها عروضاً مسرحية خالدة ما زالت تُعرض حتى اليوم، ومنها «راجل ما فيش منه»، و«مع خالص تحياتي»، و«في الوقت الضائع»، وهي العروض التي أسست لمنهج كوميدي فريد يعتمد على كوميديا الموقف والارتجال المنضبط.
ورغم أن بدايته في عالم السينما تأخرت نسبياً، حيث قدم أول أفلامه السينمائية بعنوان «أيام سعيدة» في عام 1958، إلا أن هذا التأخر لم يمنعه من ترك بصمة سينمائية مرعبة، حيث شارك في نحو 150 فيلماً سينمائياً. ومن أبرز هذه الأعمال الخالدة: «الحفيد»، و«ربع دستة أشرار»، و«غرام في أغسطس»، و«عالم مضحك جداً»، و«مطاردة غرامية»، وغيرها من الأعمال التي لا تزال راسخة وقوية في وجدان المشاهد العربي.
أما على الشاشة الصغيرة، فقد أبدع في تقديم أعمال درامية واجتماعية حفرت اسمه بحروف من نور، مثل مسلسل «أبنائي الأعزاء شكراً»، ومسلسل «أهلاً بالسكان»، ومسلسل «لا يا ابنتي العزيزة»، ومسلسل «العائلة»، بالإضافة إلى الفوازير الرمضانية الشهيرة التي ارتبط بها الصغار والكبار وهي «جد عبده راح مكتبته».
كان عبد المنعم مدبولي يجيد باقتدار رسم الابتسامة على وجوه الجماهير دون أن يفقد هيبته الفنية وقيمته كممثل قدير، وكان يُضحك الملايين دون أي ابتذال أو إسفاف، كما أنه اهتم بتربية أجيال متعاقبة من الفنانين الكبار داخل الكواليس، تماماً كما ربى أجيالاً كاملة من المشاهدين خلف الشاشات على حب الفن الحقيقي الأصيل. إن سيرة هذا الفنان العظيم ستبقى حية في ذاكرة التاريخ كشاهد على زمن الفن الجميل الذي لا يغيب.







