ذاكرة التاريخمصرملفات وتقارير

من ذاكرة التاريخ.. محطات أحمد فتحي سرور أقدم رئيس لبرلمان مصر

من ذاكرة التاريخ السيادي والقانوني في مصر، تبرز شخصيات تركت بصمات لا تمحوها الأيام، ومن هذه القامات يأتي الدكتور أحمد فتحي سرور، الذي ارتبط اسمه برئاسة مجلس الشعب المصري كأطول رئيس تولى هذا المنصب في تاريخ البرلمان الحديث. ولد الدكتور أحمد فتحي سرور في 9 يوليو 1932 في محافظة قنا، وبدأ مسيرة علمية وقانونية حافلة بالنجاحات الفريدة. حصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1953، ثم واصل شغفه بالعلم ليحصل على الماجستير في القانون المقارن من جامعة متشجين بالولايات المتحدة الأمريكية، وتوج رحلته الأكاديمية بنيل درجة الدكتوراه في القانون الجنائي من جامعة القاهرة عام 1959.

بدأ سرور حياته المهنية في السلك القضائي، حيث عين وكيلا لنيابة النقض الجنائي سنة 1956، وتمت ترقيته إلى الفئة الممتازة سنة 1958 في سابقة قضائية فريدة جدا. انتقل بعد ذلك إلى العمل الأكاديمي، ليصبح أستاذا بارزا للقانون الجنائي بجامعة القاهرة، وتتلمذت على يديه أجيال متعاقبة من رجال القانون والقضاة والمحامين في مصر والعالم العربي.

لم يقتصر عطاء الدكتور أحمد فتحي سرور على الجانب الأكاديمي، بل كان برلمانيا مخضرما بامتياز. فقد انتخب نائبا عن حي السيدة زينب العريق في القاهرة لمدة 3 عقود كاملة، نجح خلالها في بناء علاقة قوية مع أبناء دائرته. وتولى رئاسة مجلس الشعب لمدة 21 عاما متصلة من عام 1991 وحتى عام 2011، ليصبح بذلك صاحب أطول فترة رئاسة للبرلمان المصري، ونال خلال تلك الحقبة لقب “أشطر ترزي قوانين” نظرا لمهارته الفائقة في صياغة التشريعات المعقدة وسد الثغرات القانونية.

وقد شهدت مسيرته السياسية محطات مثيرة للجدل واختلافا في الآراء بين الساسة والمراقبين، لكن أحدا لم يختلف أبدا على كونه فقيها قانونيا من طراز فريد. وفي كواليس برلمان 2010، سجل بعض الساسة اعتراضه على تزوير الانتخابات، وطلب الدكتور فتحي سرور إعفاءه من تولي رئاسة مجلس الشعب. وعندما سأله الرئيس الأسبق حسني مبارك عن سبب ذلك، أجاب سرور بعبارته الشهيرة: “لا توجد معارضة، الحزب الوطني سيتكلم مع الحزب الوطني، وهذا خطر”. وكان دائما يصر، رغم الأغلبية الساحقة لحزبه، على حق النائب في الكلام والاستجواب أيا كان موقفه السياسي.

على الصعيد الدولي، حظي سرور بتقدير عالمي واسع، حيث عمل محاميا دوليا شهيرا قبل تعيينه وزيرا للتعليم. وشغل مناصب دولية رفيعة، منها رئيس شرف معهد الدراسات العليا للعلوم الجنائية بصقلية في إيطاليا منذ سنة 2000، ورئيس المعهد الدولي للقانون في معظم البلاد الفرانكوفونية في باريس منذ سنة 1994. كما ترأس الجمعية المصرية للقانونيين الناطقين بالفرنسية سنة 1992، والجمعية المصرية للقانون الجنائي من سنة 1989 وحتى 2011، وتولى رئاسة اتحاد علماء القانون المصريين من 1985 إلى 1991، بالإضافة إلى رئاسة اتحاد البرلمانات العربية والأفريقية، ورئاسة المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية.

أثرى الدكتور أحمد فتحي سرور المكتبة القانونية العربية والعالمية بعشرات المؤلفات والأبحاث القيمة التي تجاوزت 100 بحث ومقال علمي. ومن أبرز مؤلفاته: رسالة الدكتوراه “نظرية البطلان في قانون الإجراءات الجنائية” عام 1959، وكتاب “الاختبار القضائي” طبعة عام 1963، و”أصول السياسة الجنائية” عام 1972، و”الشرعية والإجراءات الجنائية” عام 1977. وله كتاب “الوسيط في قانون العقوبات – القسم الخاص” الذي صدر في طبعات متعددة الأعوام 1979 و1985 و1990، وكتاب “الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية” عام 1980 في 3 أجزاء كاملة، وكتاب “الوسيط في قانون العقوبات – القسم العام” طبعتي 1981 و1985، بالإضافة إلى كتاب “الحماية الجنائية للحياة الخاصة” عام 1986.

ولم تغب قضايا التعليم عن اهتماماته، إذ قدم دراسات هامة لتطوير التعليم المصري، منها “استراتيجية تطوير التعليم” عام 1987، و”تطوير التعليم في مصر – سياسته، استراتيجيته، وخطة تنفيذه” عام 1989. وتابع عطاءه بمؤلفات دستورية بارزة مثل “الشرعية الدستورية وحقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية” طبعتي 1993 و1995، وكتاب “الدبلوماسية البرلمانية والتعاون الدولي” عام 1997 الصادر باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وكتاب “النقض الجنائي” في طبعات الأعوام 1979 و1988 و1997 و2004. كما أصدر “الحماية الدستورية للحقوق والحريات” طبعتي 1999 و2000، و”القانون الجنائي الدستوري” في طبعات 2000 و2002 و2004، و”العالم الجديد بين الاقتصاد والسياسة والقانون” عام 2005، و”منهج الإصلاح الدستوري في مصر” عام 2006، وكتاب “المواجهة القانونية للإرهاب” باللغة العربية عام 2008 وباللغة الإنجليزية عام 2010 الصادر عن مكتبة الإسكندرية الجليلة. وفي 5 أبريل 2024، غادر عالمنا الدكتور أحمد فتحي سرور عن عمر يناهز 92 عاما، تاركا إرثا برلمانيا وتشريعيا ضخما يظل محفورا في ذاكرة التاريخ المصري الإنساني والقانوني والسياسي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى