مقالات وآراء

د.محمد عمعد صابر يكتب: بين ضجيج التعليقات وصوت العقل

في كل أزمة تعصف بأي كيان أو مؤسسة، تتجه الأنظار عادة إلى القيادات ودوائر صنع القرار، لكن الواقع اليوم يخبرنا أن ساحة المعركة الحقيقية أصبحت في كثير من الأحيان على منصات التواصل الاجتماعي. هناك تُكتب الروايات، وتُطلق الاتهامات، وتُمنح احكام البراءة والإدانة، حتى يبدو وكأن منشورًا واحدًا أو تعليقًا عابرًا قادر على اختزال سنوات طويلة من التاريخ والعمل والتضحيات.
ومع كل خلاف داخلي، تتكرر الصورة ذاتها؛ منشور يثير الجدل، ثم تتدفق التعليقات بين مؤيد ومعارض، فيظن البعض أن كثرة المؤيدين دليل على صحة ما قيل، بينما يرى آخرون أن كثرة المدافعين دليل على بطلان الاتهامات. لكن يبقى السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن الأذهان: هل تقاس الحقيقة بعدد المعلقين؟
الجواب بكل بساطة: لا.
فمنصات التواصل ليست صناديق اقتراع، ولا استطلاعات رأي علمية، وإنما هي مساحة يعبّر فيها من أراد أن يتكلم، بينما يختار كثيرون الصمت لأسباب مختلفة. فقد يصمت بعضهم حرصًا على وحدة الصف، أو انتظارًا لاكتمال الصورة، أو رفضًا لتحويل الخلافات إلى مادة للنقاش العلني. ولذلك فإن كثرة التعليقات، مهما بلغ عددها، لا تعني أن أصحابها يمثلون جميع أبناء الكيان أو أن رأيهم هو الرأي الغالب.
ومن الأخطاء الشائعة أيضًا أن تتحول الشهادات الشخصية إلى أحكام نهائية. فلا شك أن شهادة من عايش الأحداث لها قيمتها، لكنها تظل رواية من زاوية معينة، تحتاج إلى أن تُقارن بغيرها، وأن تُعرض على الوقائع والوثائق، حتى تكتمل الصورة. كما أن رفض أي نقد بحجة الحفاظ على وحدة الصف لا يقل خطورة عن قبول أي اتهام دون دليل. فالعدل لا يتحقق بالإنكار، ولا بالتشهير، وإنما بالمراجعة المنصفة والمحاسبة العادلة.
لقد علمتنا التجارب أن الكيانات الكبيرة لا تضعف بسبب الأخطاء وحدها، وإنما بسبب الطريقة التي تُدار بها تلك الأخطاء. فعندما يتحول الخلاف إلى صراع شخصي، ويصبح الانتصار للفريق أهم من الانتصار للحقيقة، يخسر الجميع، مهما ظن كل طرف أنه حقق مكسبًا مؤقتًا.
وتزيد وسائل التواصل من تعقيد المشهد؛ فهي تدفع الناس إلى الانقسام الحاد بين “مع” و”ضد”، بينما الحقيقة غالبًا أوسع من هذا التقسيم. فقد يصيب هذا الطرف في بعض الأمور، ويخطئ في أخرى، وقد يكون للطرف الآخر نصيب من الصواب أيضًا. لذلك فإن الباحث عن الحقيقة لا يسارع إلى الاصطفاف، بل يتأنى، ويستمع، ويقارن، ويحتكم إلى الدليل قبل أن يصدر حكمه.
إن القضية ليست: من كسب معركة التعليقات؟ وإنما: من يستطيع أن يحفظ الكيان ويعيد إليه تماسكه؟
فإذا كان الهدف هو الإصلاح ولمّ الشمل، فإن كل خطاب يزيد الكراهية، أو يوسع فجوة الخلاف، أو يجعل الأشخاص أهم من المبادئ، ينبغي أن يُراجع بعين الحكمة. كما أن كل محاولة لإسكات النقد المشروع بدعوى الحفاظ على الوحدة لا تؤدي في النهاية إلا إلى تأجيل المشكلة لا حلها.
والمصالحة الحقيقية ليست تجاهلًا للأخطاء، وليست كذلك تصفية للحسابات. إنها تقوم على أربعة أسس واضحة:

  • الاعتراف بأن الخطأ وارد من الجميع، وأن العصمة ليست لأحد.
  • الاحتكام إلى مؤسسات وآليات عادلة تبحث عن الحقيقة بعيدًا عن الأهواء.
  • تقديم المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية والتنظيمية الضيقة.
  • الجمع بين المحاسبة والوحدة، فهما ليسا طريقين متعارضين، بل يكمل أحدهما الآخر.
     وفي النهاية، يبقى العقل هو الملاذ الأخير في زمن يعلو فيه الضجيج. فلا ينبغي أن نخدع بكثرة التعليقات، ولا بعدد الإعجابات، ولا بقوة العبارات، فالحقيقة لا تُعرف بالصوت الأعلى، وإنما بالدليل الأقوى، والنية الأصدق، والمنهج الأعدل.
    وإذا كان الجميع صادقين في حرصهم على مستقبل الكيان، فإن الأولى أن يكون الخلاف وسيلة للإصلاح لا للهدم، وأن يكون النقد بابًا للمراجعة لا للانتقام، وأن تكون المصالحة مشروعًا يجمع المختلفين على ما يخدم الرسالة، لا على ما يخدم الأشخاص.
    فالتاريخ لا يذكر من انتصر في سجال على وسائل التواصل، بقدر ما يذكر من استطاع أن يطفئ نار الفتنة، ويعيد الثقة بين الناس، ويقدم مصلحة الفكرة على مصلحة الأفراد، ومصلحة الجماعة على انتصار أي فريق داخلها.

ومن هنا؛ كان هذا المقال الرابع كوثيقة شجاعة تنقلنا من خصومات الأشخاص إلى محاكمة المناهج لإنقاذ الفكرة من جمود التنظيم، فالضجيج الإعلامي كشف انسداد القنوات الشورية الحقيقية.
إن الشورى ” الحقيقية” في الفقه الإسلامي ليست مجرد إجراءات شكلية، بل وسيلة لتحقيق مقاصد أعلى، منها جمع الكلمة وتحقيق المصلحة العامة ومنع التنازع الذي يؤدي إلى الفشل وذهاب الريح.
فإذا استمر الانقسام سنوات طويلة، وخسرت الجماعة آلافًا من كوادرها وكفاءاتها، وتراجعت الثقة داخل الصف، وانشغل المشروع بصراعاته الداخلية أكثر من انشغاله برسالته، فإن السؤال الشرعي الواجب لا يصبح فقط: هل الإجراء اللائحي صحيح؟
بل يصبح أيضًا: هل تحققت مقاصد الشورى أصلًا؟، وهل أدت هذه الترتيبات إلى جمع الصف أم إلى مزيد من الانقسام؟..
وهنا يبرز سؤال أخلاقي وشرعي لا يجوز الهروب منه: إذا كان الهدف حقًا هو جمع الصف واستعادة المشروع، فما الذي يمنع أي قيادة من أن تبادر بالتنازل عن موقعها أو جزء من صلاحياتها أو رؤيتها الخاصة إذا كان ذلك سيؤدي إلى رأب الصدع وجمع الكلمة؟.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى