مقالات وآراء

عدنان الصباح يكتب: أدركوا هزيمتهم فهل ندرك نجاحنا

بعد ألف يوم ويوم على السابع من أكتوبر، لم يعد السؤال يدور حول ما حدث في ذلك اليوم بقدر ما يدور حول كيفية قراءته، فما يزال النقاش الفلسطيني والعربي أسير انقسام حاد بين من يراه نجاحا كاملًا ومن يعتبره هزيمة مطلقة، بينما تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا إلى قراءة سياسية واستراتيجية تتجاوز الانفعال، وتزن النتائج بميزان التاريخ لا بميزان اللحظة.

لا أحد يستطيع إنكار حجم المأساة التي تلت ذلك اليوم، عشرات الآلاف من الضحايا، ودمار غير مسبوق، وحرب مفتوحة ما زالت تلقي بظلالها على الفلسطينيين والمنطقة بأسرها، لكن التاريخ كل التاريخ قديمه وحديثه يعلمنا أن الأحداث المفصلية لا تُقاس بحجم الدم وحده، وإنما بما تُحدثه من تحولات في موازين القوى، وفي الوعي السياسي، وفي مسار الصراعات الطويلة.

لأعوام طويلة كانت القضية الفلسطينية تتراجع على سلم الأولويات الدولية والإقليمية، وسط حديث متزايد عن تجاوزها أو القفز فوقها عبر ترتيبات سياسية جديدة، جاء السابع من أكتوبر ليقلب هذه المعادلة، فعادت فلسطين إلى صدارة المشهد العالمي، وأصبحت القضية محورًا للنقاش السياسي والإعلامي في معظم العواصم، بعدما كانت تقترب من هامش الاندثار.

وفي الوقت نفسه، دخلت إسرائيل واحدة من أكثر مراحلها عزلة منذ عقود، فالحرب وما رافقها من دمار واسع وارتفاع غير مسبوق في أعداد الضحايا المدنيين أدت إلى تآكل صورتها الدولية، وتصاعد الانتقادات الرسمية والشعبية تجاه سياساتها، لتتحول معركة الرواية إلى ساحة مواجهة لا تقل أهمية عن ميادين القتال.

هذه التحولات لا يمكن تجاهلها عند تقييم الحدث، كما لا يمكن، في المقابل، اعتبارها دليلًا على انتصار مكتمل، فالتاريخ لا يعرف الانتصارات المطلقة، ولا الهزائم المطلقة، بل يعرف تجارب تنجح في جوانب وتتعثر في أخرى، ويكون مستقبلها مرهونًا بقدرة أصحابها على التعلم منه وتطورها وتحويل النجاح الى نجاحات وصولا الى النصر المنشود.
المفارقة أن جزءًا كبيرًا من الخطاب الفلسطيني انشغل بمحاكمة الحدث بدل مراجعته،، فهناك من حمّل السابع من أكتوبر مسؤولية كل ما جرى، وكأن الاحتلال وجرائمه لم يكونا قبل ذلك اليوم، وهناك من تعامل معه باعتباره تجربة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، وبين الموقفين ضاعت مساحة التفكير الهادئ التي تحتاجها أي حركة تحرر تخوض صراعًا طويلًا ومعقدًا.

فالمراجعة ليست إدانة، كما أن النقد ليس طعنًا في التضحيات، بل إن أكبر الأخطاء هي الاعتقاد بأن أي تجربة، مهما كانت عظيمة، لا تحتاج إلى تقييم. فالسؤال الحقيقي ليس: هل كان السابع من أكتوبر صوابًا أم خطأ؟ بل: ماذا حقق؟ وما الذي أخفق فيه؟ وكيف يمكن الحفاظ على ما تحقق، وتجاوز ما كشفته التجربة من نقاط ضعف؟
إن الأمم التي تنتصر لا تخشى مراجعة نفسها، لأنها تدرك أن النصر ليس لحظة عسكرية عابرة، وإنما مسار طويل من التصحيح والتراكم، أما المجتمعات التي تستسلم للانقسام، فإنها تمنح خصومها أعظم هدية ممكنة: تحويل الإنجازات إلى أسباب جديدة للخلاف وصولا الى حالة الانقضاض على النجاح حد تحويله الى فشل ذريع.

لقد عبر الفلسطينيون في السابع من أكتوبر بوابة تاريخية، لكن عبور البوابة لا يعني الوصول إلى النهاية، فما بعدها أكثر تعقيدًا وأشد صعوبة، لأن التحدي لم يعد إثبات القدرة على الفعل، بل القدرة على تحويل الفعل إلى مشروع سياسي وطني قادر على حماية نتائجه واستثمارها.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفلسطينيين اليوم ليس كيف نختلف حول السابع من أكتوبر، بل كيف نبني عليه، فالتاريخ لا يتوقف عند لحظة المواجهة، وإنما يبدأ بعدها، وما يصنع الفارق بين الانتصار والهزيمة ليس الحدث ذاته، بل الطريقة التي يُدار بها ما بعد الحدث.

بعد ألف يوم ويوم، لم يعد السابع من أكتوبر مجرد تاريخ في الذاكرة، بل اختبارًا مفتوحًا للوعي الفلسطيني، فإما أن يكون نقطة انطلاق نحو بناء رؤية وطنية أكثر وحدة وصلابة، وإما أن يتحول، بفعل الانقسام، إلى فرصة استهلكها الجدل أكثر مما استثمرتها السياسة، وفي ذلك وحده سيتحدد المعنى الحقيقي لذلك اليوم.

يبقى أن السابع من أكتوبر لم يعد مجرد حدث في الذاكرة، بل أصبح فرصة تاريخية واختبارًا لإرادة الفلسطينيين وقدرتهم على تحويل التضحيات إلى مشروع سياسي مستدام، فالأحداث الكبرى لا تضمن النصر بذاتها، وإنما تفتح أبوابه لمن يحسن استثمارها.

فإذا لم نحسن الإمساك بما تحقق، ولم ننقل المعركة إلى ميادين السياسة والدبلوماسية والقانون والوعي الإنساني، فإننا سنبدد بأيدينا ما عجز الاحتلال عن تبديده بقوة السلاح، وحينها سنتبادل وإياه المواقع؛ سننشغل نحن بتفسير الهزيمة حد تكريسها، بينما يستعيد هو روايته ومكانته ويعيد إنتاج شرعيته أمام العالم.

وحينها لن يكون الفشل في السابع من أكتوبر، بل في اليوم الذي قررنا فيه التوقف عن البناء على ما صنعه السابع من اكتوبر فالهزائم الكبرى لا تبدأ عندما يخسر شعب معركة، بل عندما يتخلى عن نتائجها، ويهدم بيديه ما عجز خصومه عن هدمه، وعندها لن نكون قد خسرنا تجربة فحسب، بل ربما نكون قد قتلنا في وجداننا الجرأة على خوض التجربة مرة أخرى.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى