ملفات وتقارير

أسرار التحالف الساخن وسقوط ورقة التوت عن مخططات أبو ظبي وتل أبيب

تكشف التحركات الدبلوماسية الأخيرة خلف الكواليس عن أبعاد عميقة وممتدة في طبيعة التحالف الاستراتيجي بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، وهو التحالف الذي تأسس رسميًا في عام 2020 برعاية أمريكية تحت مظلة “اتفاقيات أبراهام” خلال حقبة دونالد ترامب. ورغم أن هذا الاتفاق مثل ما يوصف في الأوساط السياسية بأنه “سلام ساخن” وحيد بين تل أبيب وعاصمة عربية، نظرًا لشموله مجالات بالغة الحساسية مثل الأمن والاستخبارات والاستثمارات، إلا أن أبو ظبي تبذل جهودًا حثيثة لفك ارتباط هذه العلاقة الاستراتيجية بـ بنيامين نتنياهو كشخص، والسعي إلى تحويلها إلى التزام مؤسسي عابر للحكومات والأشخاص. هذا التوجه الإماراتي ينبع من مخاوف حقيقية من استغلال رئيس الوزراء الإسرائيلي لهذه العلاقة كورقة دعاية انتخابية محلية، مما يهدد ديمومة الأهداف المشتركة البعيدة لبلادهما.

وتعود جذور هذا التوجس الإماراتي إلى اللحظات الأولى لتوقيع الاتفاق في عام 2020، فبينما ذهب الرئيس المصري أنور السادات في عام 1979، والملك الأردني حسين في عام 1994، شخصيًا إلى البيت الأبيض لتوقيع معاهدات السلام مع مناحم بيجن وإسحاق رابين، اختار رئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان ألا يحضر بنفسه، وأوفد شقيقه وزير الخارجية عبد الله بن زايد آل نهيان للتوقيع، مما فوت على نتنياهو فرصة التقاط صورة مصافحة تاريخية أمام عدسات الإعلام العالمي كان يرجوها بشدة. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل رفض بن زايد بوضوح استقبال نتنياهو في زيارة رسمية خلال فترة الـ 2 عام التي شهدت 4 جولات انتخابية إسرائيلية متتالية، خشية اختزال الشراكة في الدعاية السياسية، قبل أن يتم إقصاء نتنياهو من السلطة مؤقتًا في يونيو 2021. وعلى النقيض تمامًا، استقبلت أبو ظبي في ديسمبر 2021 رئيس الوزراء الإسرائيلي اللاحق نفتالي بينيت، واحتفت بنمو التبادل التجاري الذي بلغ 1 مليار يورو سنويًا، والاستثمارات الإماراتية الضخمة في إسرائيل التي ناهزت 9 مليار يورو.

ومع عودة نتنياهو إلى السلطة في ديسمبر 2022 بائتلاف يضم وزراء متطرفين، تعقدت حسابات الإمارات؛ إذ تزايدت الاستفزازات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تلتها الحرب المدمرة التي شنها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر 2023. ورغم محاولات الإمارات تقديم غطاء إنساني من خلال توزيع المساعدات وعمليات الإجلاء الطبي، إلا أن ثقتها في نتنياهو تراجعت لصالح الاعتماد على الحليف الأمريكي دونالد ترامب، حيث دعمت أبو ظبي في فبراير 2025 خطته الرامية لتحويل غزة إلى ما يشبه “ريفييرا الشرق الأوسط”، بالاعتماد على وزير بلغاري سابق مقيم في أبو ظبي ومقرب من محمد بن زايد كعنصر أساسي في مجلس السلام الخاص بـ ترامب لإعادة إعمار القطاع.

ودخلت المنطقة منعطفًا شديد الخطورة في 28 فبراير 2026، عندما اندلعت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، مما جعل الإمارات هدفًا مباشرًا لضربات إيرانية مكثفة تفوق أحيانًا ما استهدف إسرائيل نفسها بسبب السيطرة الإيرانية المتزايدة على مضيق هرمز. ورغم هذه المخاطر الجسيمة، يرى محمد بن زايد أن حماية بلاده تكمن في الاندماج الكامل في التحالف الإسرائيلي الأمريكي، وهو موقف يتناقض بوضوح مع توجهات القوى النفطية الأخرى في المنطقة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي فضلت نهج التهدئة والمصالحة مع طهران منذ مارس 2023، مما أدى إلى تبخر آمال توسيع اتفاقيات أبراهام لتشمل الرياض، وتعطيل حلم الإمارات في مد شبكة الدفاع الصاروخي الإسرائيلي لتشمل منطقة الخليج.

وتصاعدت حدة التوتر الدبلوماسي مؤخرًا عقب إعلان نتنياهو أنه التقى محمد بن زايد “سرًا” في الإمارات بتاريخ 26 مارس 2026، وهو ما نفته أبو ظبي نفيا قاطعًا دون أن تنجح في إقناع الرأي العام تمامًا. ويعكس هذا النفي الإماراتي المتشنج الخوف المستمر من قيام نتنياهو بابتزاز وتوظيف التعاون الأمني والاستراتيجي المشترك لخدمة مصالحه الشخصية في الانتخابات التشريعية المقررة في أكتوبر 2026، خاصة وأن منافسه الرئيسي المنتظر ليس سوى نفتالي بينيت، الحليف المفضل الذي استقبلته الإمارات بحفاوة قبل 4 سنوات ونصف. تغامر الإمارات بكل أوراقها الإقليمية لضمان بقاء هذا التحالف العسكري والاقتصادي وثيقًا، مستعدة لتحمل الصدام المباشر مع طهران، شريطة أن تدار هذه الشراكة كمؤسسة دولية ثابتة لا كأداة انتخابية يلوح بها نتنياهو في صناديق الاقتراع.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى