من ذاكرة التاريخ.. أسرار حي السيدة زينب من خط السباع المملوكي إلى معقل النجوم

يمتد تاريخ العاصمة المصرية العريقة ليحمل في طياته تفاصيل وحكايات تشكل وجدان الشعب، ومن بين هذه الصفحات المضيئة يقف حي السيدة زينب بالقاهرة كواحد من أعرق الأحياء التي تفوح برائحة التاريخ وصناع الإبداع. يعود الفضل في توثيق ملامح هذا الحي العتيق إلى محطات تاريخية فارقة، أبرزها ما سجلته الذاكرة عام 1890م لشارع الحلمية الجديدة، الذي يمثل قلب هذا الحي النابض بالعرقة والأصالة الدينية والاجتماعية والثقافية على مر العصور.
من خط السباع إلى ميدان العقيلة
عرف حي السيدة زينب في العصر المملوكي باسم “خط السباع”، وترجع هذه التسمية إلى قنطرة شهيرة شيدها السلطان الظاهر بيبرس على الخليج المصري الذي كان يمر قديماً من أمام المسجد الحالي. تميزت هذه القنطرة بوجود رسم منحوت للسباع، وهو الشعار الرسمي للسلطان الظاهر بيبرس الذي اتخذه رمزاً لقوته ونفوذه.
استمر هذا الوضع حتى عام 1898م، وهو العام الذي شهد تحولاً جذرياً في جغرافية المنطقة، حيث تم ردم الخليج المصري بالكامل. ومع عملية الردم اختفت قنطرة السباع الشهيرة، وظهرت في المقابل الواجهة المهيبة لمسجد السيدة زينب. ومنذ ذلك التاريخ، وتحديداً في نهاية القرن 19 الميلادي، بدأ الإسم القديم يتلاشى ليطلق على الميدان والحي بأكمله اسم “السيدة زينب”، نسبة إلى حفيدة الرسول المدفونة داخل ضريح المسجد.
رحلة النور.. قدوم رئيسة الديوان إلى مصر
يرتبط الحي ارتباطاً روحياً بالرئيسة السيدة زينب، التي دخلت أرض مصر في أوائل شهر شعبان سنة 61 من الهجرة النبوية. وكان استقبالها حدثاً مشهوداً، حيث استقبلها والي مصر وأهلها في منطقة بلبيس استقبالاً رائعاً يليق بمقامها، مدفوعين بحب جدهم المصطفى صلى الله عليه وسلم، والتبرك بنسبها الشريف الطاهر.
احتملها والي مصر آنذاك إلى داره التي كانت تقع بالحمراء القصوى عند بساتين الزهري، وهي المنطقة ذاتها التي تشكل حي السيدة زينب في الوقت الحالي. عُرفت هذه المنطقة وقتذاك بقنطرة السباع نتيجة وجود القنطرة على الخليج، وأقامت السيدة الطاهرة في هذه الدار مدة طوية لم تتجاوز العام الواحد، حيث انتقلت إلى جوار ربها تاركة أثراً لا يمحى في نفوس المصريين.
المحطات التاريخية لبناء المسجد الزينبي
قبل قدوم السيدة زينب إلى مصر، كان موقع المسجد الحالي عبارة عن قصر لوالي مصر “مسلمة بن مخلد”. وعلى الرغم من أن المؤرخين لم يحددوا تاريخاً دقيقاً وبداية ثابتة لبناء المسجد، إلا أن الثابت في كتب التاريخ أنه أنشئ في العهد الأموي.
تعاقبت على المسجد أعمال الترميم والتجديد عبر العصور؛ ففي عام 1547م أمر والي مصر العثماني “علي باشا” بتجديده بالكامل. وفي عام 1768م شهد المسجد تجديداً آخر واسع النطاق على يد الأمير “عبد الرحمن كتخدا”. وفي القرن 20، وتحديداً في سنة 1940م، قامت وزارة الأوقاف المصرية بهدم المسجد القديم المتهالك لتبني مكانه مسجداً جديداً بطراز إسلامي راقٍ وفخم وهو الموجود حتى يومنا هذا، ومما يذكر أن القائمين على الهدم والبناء في تلك السنة تركوا ضريح السيدة زينب كاملاً دون مساس.
الحدود الجغرافية المربع الذهبي للحي
يمتلك حي السيدة زينب موقعاً استراتيجياً في قلب القاهرة، وتتحدد معالمه الجغرافية بدقة من الجهات 4 على النحو التالي:
- الحد الشمالي: يحده حي عابدين، متمثلاً في شارع مجلس الشعب، ثم شارع سويقة السباعين، وصولاً إلى شارع إسماعيل أبوجبل.
- الحد الجنوبي: يحده حي مصر القديمة، وتحديداً شارع مجرى العيون التاريخي.
- الحد الشرقي: يتقاطع مع حي وسط عند شارع بورسعيد، وحي الخليفة عند شارع أحمد عمر، وشارع جامع أزبك، وغرب شارع الأشرف وميدان السيدة نفيسة.
- الحد الغربي: يحده حي غرب القاهرة عبر شارع القصر العيني، وحي مصر القديمة ممتداً على شارع الكورنيش من كوبري المنيل وحتى ميدان فم الخليج.
مصنع العباقرة وملتقى المبدعين
لم يكن حي السيدة زينب مجرد موقع جغرافي، بل كان رحماً أنجب وأوى أبرز القامات الفنية والأدبية والرياضية في مصر:
- الأديب يحيى حقي: صاحب الروائع الأدبية، ولد في درب الميضة (الميضأة) خلف مسجد السيدة زينب.
- الفنان نور الشريف: النجم القدير الذي ولد وعاش طفولته في هذا الحي العتيق.
- الموسيقار سيد مكاوي: شيخ الملحنين، ولد في حي الناصرية التابع للمنطقة.
- الموسيقار عمر خيرت: صاحب الموسيقى الساحرة، ولد في شارع خيرت العريق بالحي.
- الكابتن حمادة إمام: ثعلب الكرة المصرية ولاعب نادي الزمالك، ولد بحي المنيرة.
- الفنان عادل إمام: زعيم الفن العربي، عاش وتشرب من ثقافة حي السيدة زينب.
- الفنان نبيل الحلفاوي: الفنان القدير الذي ولد وتربى في أزقة الحي.
- الكابتن فاروق جعفر: نجم الكرة المصرية، عاش في حي المنيرة بالسيدة زينب.
- الفنانة هدى المفتي: من الوجوه الشابة الفنية التي ولدت في حي السيدة زينب.








