دعوى قضائية بباريس تلاحق نتنياهو وقادة إسرائيل بتهم جرائم حرب في لبنان

تتحرك أروقة القضاء الفرنسي حالياً لمحاصرة قادة الاحتلال الإسرائيلي قانونياً، حيث تشهد العاصمة باريس حراكاً حقوقياً استثنائياً يسعى لكسر جدار الإفلات من العقاب. تنطلق هذه الملاحقة القضائية غير المسبوقة من شكوى جنائية رسمية قدمها المحامي الفرنسي البارز إيمانويل داود أمام المحاكم المختصة، ممثلاً عن المواطن اللبناني الذي يحمل الجنسية الفرنسية محمد ح.، والذي فقد 4 أفراد من عائلته في قصف صاروخي وحشي نفذه الطيران الإسرائيلي على مدينة صور الواقعة في جنوب لبنان. وجاءت هذه الضربة الغادرة في تمام الساعة 11 و57 دقيقة من ليل 16-17 أبريل 2026، أي قبل 3 دقائق فقط من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، مما يبرز نية القتل المتعمد والتدمير الكامل دون أي مبرر عسكري.
واستهدفت الغارات الإسرائيلية الممنهجة منطقة سكنية مدنية بالكامل في مدينة صور، مما أسفر عن تدمير 5 مبانٍ سكنية بالكامل فوق رؤوس ساكنيها، واستشهاد عشرات المدنيين العزل. ومن بين هؤلاء الضحايا، كانت والدة الشاكي وشقيقته وطفلا شقيقته الصغار. ووفقاً للوثائق الرسمية وشهادات الوفاة المرفقة بالملف، فإن الأم انتشلت من تحت الأنقاض وهي تصارع الموت ونقلت للمستشفى بجروح بالغة خطورة حتى فارقت الحياة في 20 أبريل 2026. الشاكي المقيم بفرنسا توجه فور علمه بالفاجعة إلى لبنان ليعاين بنفسه هول الدمار وحجم الفقد المأساوي لعائلته وبناية أسرته المحطمة تماماً.
وتتميز هذه الشكوى القانونية بصياغتها الاستراتيجية؛ فرغم أنها قُيدت ضد مجهول كإجراء متبع، إلا أنها صُممت بدقة لتتجاوز صغار العسكريين والطيارين المنفذين، لتصل مباشرة إلى سلسلة القيادة العليا التي أصدرت الأوامر ووفرت الغطاء السياسي والعسكري، وصولاً إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وتستند القضية إلى مدخلين قانونيين صلبين يمنحان القضاء الفرنسي الولاية الكاملة: الأول هو الجنسية الفرنسية للشاكي وإقامته في فرنسا، والثاني هو مبدأ الاختصاص العالمي الذي يتيح للمحاكم الفرنسية ملاحقة الجرائم الدولية الخطيرة مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية حتى لو ارتكبت خارج أراضيها.
وتدعم الشكوى موقفها القانوني بثلاث ركائز قاطعة تدحض الروايات الإسرائيلية: أولاً الغياب التام لأي إنذار أو تحذير مسبق للسكان المدنيين قبل القصف المباغت، وثانياً الطبيعة السكنية الصرفة للمباني المستهدفة، وثالتها عدم وجود أي مظاهر أو أدلة تثبت استخدام المكان لأغراض عسكرية. ونقلت أوراق القضية شهادات حية لسكان أكدوا أن الشارع مدني تقطنه عائلات فقط، وأن ما حدث هو مجزرة حقيقية مكتملة الأركان، خاصة وأن سلطات الاحتلال لم تعلن وقتها عن استهداف أي منشأة عسكرية، ولم تقدم أي مبرر منطقي لإطلاق هذه الكثافة النيرانية التدميرية قبيل التهدئة.
وتضع الدعوى هذا الاعتداء الصارخ ضمن سياق منهجي أوسع يعكس طريقة إدارة إسرائيل للعمليات العسكرية في لبنان منذ مطلع مارس 2026. إذ يتطابق قصف صور مع نمط متكرر شمل استهداف أحياء سكنية، ومستشفيات، ومرافق صحية، مما أدى إلى موجات نزوح جماعي قسري. وتشير الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة اللبنانية حتى منتصف يونيو 2026 إلى سقوط 3783 شهيداً وإصابة 11699 جريحاً، فضلاً عن نزوح أكثر من 1 مليون شخص، وتدمير واسع النطاق في البنى التحتية الطبية ومقتل العديد من رجال الإسعاف والقطاع الصحي.
وتركز وثائق القضية على مجازر محددة مثل يوم 8 أبريل 2026، المعروف باسم الأربعاء الأسود، عندما شنت إسرائيل أكثر من 100 غارة عنيفة خلال 10 دقائق فقط على مناطق مكتظة بالسكان، مما أدى لاستشهاد أكثر من 350 مدنياً. كما تستحضر الدعوى تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس التي منع فيها عودة مئات الآلاف من سكان الجنوب لمنازلهم جنوب نهر الليطاني، مع تسريع عمليات هدم القرى الحدودية، مما يثبت وجود سياسة إبادة وتهجير مترابطة الحلقات وليست وقائع فردية معزولة.
وينتظر المحامي إيمانويل داود وموكله فتح تحقيق رسمي موسع أمام القسم القضائي المختص بالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب بباريس لجمع الأدلة والاستماع للشهود. ويكشف داود عن ترتيبات لتقديم حزمة شكاوى جديدة ومماثلة بين سبتمبر وأكتوبر المقبلين بعد تواصل عائلات ضحايا آخرين معه. ورغم تعرض المحامي لتهديدات شرسة واتهامات بمعاداة السامية إثر تحركات سابقة بالجنائية الدولية، فإنه يؤكد التزامه بالقضية لضمان العدالة. فالهدف الأساسي للشاكي ليس الانتقام، بل محاسبة كل المسؤولين بشكل مباشر أو غير مباشر، تأكيداً على أن دماء وأرواح النساء والأطفال في لبنان ليست مستباحة ولن تسقط بالتقادم من أجل إحقاق الحق وتثبيت أركان العدالة القانونية الكاملة في مواجهة الغطرسة والتدمير الممنهج الذي طال المدنيين العزل في كل مكان بلا هوادة أو مراعاة للمواثيق والأعراف الدولية المعترف بها عالمياً حتى ينال كل المجرمين عقابهم الرادع.







