العالم العربيملفات وتقارير

أزمة المياه العربية تتجاوز الندرة نحو تحديات الحوكمة والعدالة التنموية

تتصاعد أزمات الموارد المائية في المنطقة العربية لتتجاوز حدود الندرة الطبيعية وتتحول إلى معضلة حقوقية وتنموية متجذرة، حيث أشار تقرير “الراصد العربي 2025: الحق في المياه وتغير المناخ” إلى تقاطع تداعيات المناخ مع ضعف الحوكمة والسياسات العامة. انطلقت أعمال المؤتمر الإقليمي في العاصمة الأردنية عمان، لتسليط الضوء على هذه الفجوة التي تهدد الحق في المياه الآمنة والمستدامة، وتفاقم الفوارق الطبقية والاجتماعية في الوصول إلى هذه الموارد الحيوية بين شعوب المنطقة العربية.

تتفاقم الضغوط المائية بفعل ارتفاع درجات الحرارة وانحسار معدلات الهطل المطري، مما يضع المنطقة العربية في صدارة المناطق الأكثر معاناة من الإجهاد المائي عالمياً. يوضح التقرير أن أزمة المياه لا تعود للمناخ فحسب، بل تمتد لتشمل غياب الشفافية في إدارة الموارد وضعف المشاركة المجتمعية في صنع القرار. تتسبب هذه السياسات الاقتصادية المتبعة في تعميق التفاوت في الحصول على المياه، مما يستوجب إعادة صياغة استراتيجيات الإدارة لتكون أكثر شمولية وعدالة للمواطنين.

تتطلب المرحلة الراهنة ترسيخ الاعتراف بالمياه كحق أصيل من حقوق الإنسان ضمن الدساتير والتشريعات الوطنية، بدلاً من حصرها كخدمة عامة خاضعة للمتغيرات الاقتصادية. يؤكد الخبراء ضرورة توفير المياه بجودة مناسبة وأسعار ميسورة للجميع دون تمييز، مع ضرورة مواجهة التحديات الخارجية المتمثلة في النزاعات حول الأنهار المشتركة. تبرز أهمية تعزيز الحوكمة وتقليل الفاقد المائي كخطوات ضرورية لتحقيق استدامة الموارد وتقليص هيمنة القوى الاستعمارية التي تستغل المياه كأداة للضغط والسيطرة.

يواجه الأردن تحديات مائية استثنائية تجعله ضمن أكثر خمس مناطق فقراً مائياً في العالم، مما يفرض التعامل مع هذا الملف كأولوية قصوى للأمن الوطني. تتبنى الاستراتيجية الوطنية للمياه للأعوام 2023-2040 إطاراً لتعزيز أمن التزويد وحماية المياه الجوفية وتطوير البنية التحتية. يمثل مشروع الناقل الوطني حلاً استراتيجياً طموحاً يهدف لتحلية 300 مليون متر مكعب سنوياً من مياه البحر الأحمر، ونقلها عبر أنابيب تمتد لمسافة 450 كيلومتراً لتغطية احتياجات جميع المحافظات وضمان استمرارية التنمية.

تطالب المنظمات الحقوقية بتبني مسار يعلي من قيم الشفافية والمساءلة بعيداً عن القوالب التقنية الصرفة التي تعتمدها الحكومات في إدارة المياه. تشدد هذه الرؤية على أهمية إتاحة البيانات والمعلومات للمجتمع وإشراك المواطنين في رسم السياسات الاقتصادية المائية. ينبغي أن تخضع المشاريع المائية الكبرى، مثل الناقل الوطني، لنقاشات مجتمعية واسعة لضمان عدم انعكاس تكلفتها على أسعار المياه بشكل يؤثر على الفئات الأكثر احتياجاً، خاصة في ظل بيئة إقليمية مشحونة بالصراعات والتوترات.

تتنامى مخاطر الشح المائي بالتزامن مع تعقيدات سياسية تتعلق بالأنهار المشتركة، مثل النيل والفرات والأردن واليرموك، وسط غياب سياسات عربية كافية للتكيف مع التغير المناخي. تساهم ممارسات القوى الإقليمية المسيطرة في التعدي على الحقوق المائية العربية، مما يتطلب تكاتفاً إقليمياً وتطويراً تشريعياً يحمي المصالح المائية. تعاني إدارات المياه من تشتت مؤسسي يحتاج لمراجعة شاملة لضمان فاعلية الإجراءات، حيث لا تزال نسبة فاقد المياه تصل إلى 42%، مما يستوجب إصلاحات إدارية وتشريعية عاجلة.

تتطلب استعادة العدالة المائية حماية الحقوق العابرة للحدود والتزام القوى الدولية بالاتفاقيات الموقعة بخصوص الكميات والجودة. ينبغي على صناع القرار العمل على تنويع مصادر المياه والاستمرار في تنفيذ المشروعات الاستراتيجية مع ضمان توزيع عادل للموارد بين مختلف المناطق. تظل المطالبة بتطوير تشريعات تكفل الحق في المياه دستورياً مطلباً ملحاً في ظل التصاعد المستمر لآثار التغير المناخي، لضمان استقرار الأمن المائي وحماية المجتمعات من الأخطار المستقبلية المحدقة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى