مبادرة تبادل المحتجزين بالسودان اختبار عملي لترميم جسور الثقة المنهارة بين الجيش وقوات الدعم السريع

استأنفت الجهات الدولية مساعيها الرامية لتحريك ملف تبادل المحتجزين في النزاع المسلح المستمر منذ أبريل 2023، حيث تمثل مبادرة مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافستو محاولة جادة لفتح قناة تواصل عملية بين الفرقاء – الجيش وقوات الدعم السريع -، لا سيما مع تصاعد الضغوط الدولية المرتبطة بالانتهاكات الموثقة داخل أماكن الاحتجاز، وتحول هذا الملف إلى قضية إنسانية ملحة يصعب تجاهلها، وسط تساؤلات حول مدى إمكانية استغلال هذا المسار كمدخل لبناء حد أدنى من الثقة المتبادلة.
تحديات ميدانية وقانونية أمام تنفيذ المبادرة الإنسانية
أكدت التقديرات الحقوقية أن هذا الملف يكتسب حساسية استثنائية، إذ تجاوزت أعداد المحتجزين والمفقودين مستويات غير مسبوقة بعد أربعة أعوام من القتال، بينما أظهرت التقارير الصادرة عن البعثة الدولية لتقصي الحقائق وجود نمط منظم من الاحتجاز التعسفي والتعذيب في سجون مثل “دقريس” بنيالا، حيث سجلت شبكة أطباء السودان وفاة أكثر من 215 محتجزاً خلال شهرين فقط، مما يفرض ضرورة الالتزام بالقواعد الإنسانية التي تكفلها المادة الثالثة المشتركة لاتفاقات جنيف، والتي تمنع الإعدام خارج القانون وتضمن المعاملة الإنسانية.
أوضحت المعطيات الميدانية أن الانخراط في عملية تبادل المحتجزين لا يعد مجرد إجراء تقني، بل هو اختبار لمصداقية الطرفين أمام المجتمع الدولي، خاصة وأن التجارب السابقة أثبتت إمكانية نجاح الوساطات الإنسانية بعيداً عن صخب المواقف السياسية، حيث سبق للجنة الدولية للصليب الأحمر تيسير الإفراج عن 292 شخصاً في مراحل مختلفة، بالإضافة إلى نجاح وساطة أهلية في يونيو 2024 بالإفراج عن 537 من أفراد الشرطة، مما يؤكد أن مبادرة تبادل المحتجزين ليست مستحيلة التنفيذ حال توفرت الإرادة اللازمة.
عقبات اللوجستيات وغياب البيانات الموحدة للطرفين
تواجه عملية تنفيذ تبادل المحتجزين تعقيدات لوجستية وأمنية جسيمة، تتصدرها مشكلة غياب قاعدة بيانات دقيقة وموثقة حول أعداد المحتجزين ومواقع تواجدهم، وهو ما يعيق جهود الوسطاء في التحقق من الهويات وتصنيف المحتجزين، خاصة في ظل حالة التشتت الميداني التي تجعل بعض مراكز الاحتجاز خارج السيطرة المركزية، فضلاً عن المخاوف الأمنية من انهيار العملية نتيجة اتهامات متبادلة أو استغلال ملف تبادل المحتجزين لأغراض دعائية، مما يستوجب وضع آليات مستقلة للتحقق من قوائم الأسماء.
شددت الأطراف الحقوقية، ومن بينها “محامو الطوارئ”، على أن نجاح مبادرة تبادل المحتجزين يتطلب توسيع نطاقها لتشمل المدنيين المحتجزين تعسفاً، والكشف عن مصير المفقودين والمخفيين قسراً، وتوفير ضمانات بعدم إعادة المفرج عنهم إلى جبهات القتال، إذ يظل الدور الذي تقوم به اللجنة الدولية للصليب الأحمر محورياً في توفير الضمانات الإجرائية، مما يمنح المبادرة فرصة حقيقية، وإن كانت محدودة، لاختبار إمكانية فصل الملفات الإنسانية عن حسابات الصراع العسكري المستمر، وتجاوز حالة الجمود التي فرضتها سنوات الحرب الطويلة.
تتوقف استمرارية هذه المبادرة على مسارين؛ فإما النجاح في إرساء سابقة تعزز الثقة وتفتح الباب أمام تسويات إنسانية أخرى، أو الفشل الذي سيؤكد عمق فجوة انعدام الثقة، حيث تظل مبادرة تبادل المحتجزين هي البوصلة الوحيدة حالياً لقياس مدى الاستجابة للقواعد الإنسانية في ظل غياب أي اختراق سياسي ملموس، وهو ما يجعل من مبادرة تبادل المحتجزين الحجر الأساس في أي محاولة مستقبلية لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، باعتبارها الأداة الأكثر فعالية لضمان تدفق الإغاثة وحماية أرواح الآلاف الذين يرزحون تحت وطأة ظروف احتجاز مأساوية تتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً وفورياً.







