شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: قانون الكيانات الإرهابية… حين تصبح المواطنة استثناءً مصر الممكنة 2030 (35) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (6)

لا تملك أي دولة حق التهاون مع الإرهاب، كما لا يملك أي مجتمع ترف التساهل مع العنف المنظم أو الجماعات التي تستهدف حياة المواطنين أو استقرار الأوطان. فحماية المجتمع واجب أصيل من واجبات الدولة، بل هي أحد أهم أسباب وجودها. لكن التجربة الإنسانية علمتنا أيضًا أن المعركة ضد الإرهاب لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على الضرب والمنع والعقاب، وإنما بقدرتها على الانتصار وهي متمسكة بالقانون الذي تدافع عنه.

لهذا لم يكن الجدل الذي شهدته الديمقراطيات الكبرى بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أو بعد هجمات مدريد ولندن وباريس وبروكسل، جدلًا حول ضرورة مكافحة الإرهاب، بل حول حدود السلطة التي يجوز منحها للدولة أثناء هذه المواجهة. فالدول الديمقراطية كانت تدرك أن الخطر لا يكمن فقط في الإرهاب نفسه، بل في أن يؤدي الخوف منه إلى تقويض المبادئ التي قامت عليها دولة القانون.

من هنا يصبح من الضروري النظر إلى قانون الكيانات الإرهابية لا باعتباره نصًا قانونيًا منفصلًا، بل باعتباره جزءًا من معادلة أكبر تتعلق بالعلاقة بين الأمن والحرية، وبين الدولة والمواطن، وبين الاشتباه والإدانة، وبين التدبير الاحترازي والعقوبة الجنائية.

في الفلسفة الدستورية الحديثة توجد قاعدة تبدو بسيطة لكنها تمثل أحد أعمدة العدالة المعاصرة: العقوبة لا تسبق الحكم. فالمواطن لا يفقد حقوقه الأساسية إلا بعد محاكمة عادلة تتوافر فيها جميع ضمانات الدفاع والمواجهة والعلانية والطعن. ولهذا كانت قرينة البراءة أعظم ما أنتجته الحضارة القانونية الحديثة، لأنها نقلت الإنسان من عصر الاتهام إلى عصر الإثبات، ومن عصر الظن إلى عصر الدليل.

الإشكالية التي أثارها قانون الكيانات الإرهابية في مصر لا ترتبط بهدفه المعلن، فمكافحة الإرهاب هدف مشروع ومطلوب، وإنما ترتبط بالآثار المترتبة على الإدراج، وبالسؤال الدستوري الذي ظل مطروحًا منذ صدور القانون: هل يجوز أن تترتب نتائج شديدة الخطورة على مواطن قبل صدور حكم جنائي نهائي بإدانته؟

السؤال هنا ليس نظريًا. فالإدراج على قوائم الكيانات أو الأشخاص الإرهابيين لا يقتصر أثره على توصيف قانوني مجرد، وإنما يترتب عليه في كثير من الحالات تجميد الأموال، والمنع من السفر، والحرمان من بعض الحقوق السياسية، وفرض قيود اقتصادية ومهنية واجتماعية واسعة النطاق. وبذلك يصبح الإدراج في ذاته حدثًا يغير حياة الإنسان قبل أن تقول المحكمة الجنائية كلمتها النهائية.

وهنا يبدأ التوتر الدستوري الحقيقي. فالدستور المصري، مثل أغلب الدساتير الحديثة، يقوم على حماية الملكية الخاصة، وصون حرية التنقل، وضمان الحقوق السياسية، واحترام قرينة البراءة. كما أن مصر طرف في عدد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تؤكد المبادئ ذاتها، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، وعدد من الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالحقوق الأساسية.

لا تكمن المشكلة فقط في تقييد حق بعينه، بل في تراكم القيود على نحو يجعل المواطن يواجه منظومة كاملة من العقوبات الواقعية قبل أن يواجه حكمًا قضائيًا نهائيًا. فحين يُمنع من التصرف في أمواله، ويُمنع من السفر، وتتعطل أعماله، وتتأثر سمعته، ويُحرم من بعض حقوقه العامة، فإننا نكون أمام آثار تتجاوز كثيرًا مجرد إجراء احترازي مؤقت.

الفارق بين التدبير الوقائي والعقوبة الجنائية ليس مسألة لغوية، بل مسألة دستورية جوهرية. فالتدبير الوقائي يفترض أن يكون محدودًا ومؤقتًا ومرتبطًا بضرورة محددة وقابلًا للمراجعة المستمرة، بينما العقوبة هي جزاء يوقع بعد ثبوت المسؤولية الجنائية. وكلما تلاشت الحدود بين الاثنين، دخلنا منطقة رمادية تصبح فيها العدالة أقل وضوحًا والحقوق أكثر هشاشة.

خلال العقود الأخيرة تعرضت قوانين مشابهة في دول عديدة لمراجعات قضائية متكررة. المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تناولت عشرات القضايا المتعلقة بالقيود الاستثنائية المفروضة باسم مكافحة الإرهاب، وأكدت في أكثر من حكم أن مقتضيات الأمن القومي لا تعفي الدول من احترام مبدأ التناسب، ولا تبرر إهدار الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.

كما شهدت الولايات المتحدة نفسها، بعد موجة التشريعات التي أعقبت أحداث سبتمبر، مراجعات واسعة لبعض الإجراءات التي اعتُبرت في حينها ضرورية لمكافحة الإرهاب، ثم تبين لاحقًا أن كلفتها الدستورية والحقوقية كانت أعلى مما قُدّر لها عند صدورها.

التجربة الفرنسية تقدم بدورها نموذجًا مهمًا. فبرغم تعرض فرنسا لعدد من الهجمات الإرهابية الدامية، ظل الجدل القانوني قائمًا حول حدود الإجراءات الاستثنائية، وحول ضرورة خضوعها لرقابة قضائية صارمة ومستمرة. ولم يكن هذا الجدل تعبيرًا عن ضعف الدولة، بل عن قوة تقاليدها الدستورية.

في مصر اكتسب هذا الملف بعدًا شخصيًا بالنسبة لي، ليس لأنني كنت أتابعه من الخارج، بل لأنني وجدت نفسي ذات يوم جزءًا منه بصورة يصعب على رجل قانون أن يفهمها حتى الآن.

ما عُرف إعلاميًا بقائمة الواحد والثمانين، أو ما سُمي بقائمة الليبراليين، يظل بالنسبة لي واحدًا من أكثر الأمثلة دلالة على أزمة المعايير القانونية في هذا الملف. فقد وجدت نفسي على رأس قائمة تضم عشرات الأسماء المختلفة سياسيًا وفكريًا وتنظيميًا، دون أن أجد حتى اللحظة تفسيرًا قانونيًا متماسكًا يشرح الأساس الذي جمع بينها.

لا أتحدث هنا عن مظلمة شخصية، فالحياة العامة مليئة بالمفاجآت والصدمات والتجاوزات. لكنني أتحدث عن سؤال قانوني لم أجد له إجابة مقنعة حتى الآن: ما هو الرابط القانوني الذي يمكن أن يجمع بين هذا العدد الكبير من الأشخاص المختلفين في الخلفيات والمواقف والمسارات؟

السؤال لا يتعلق باسمي، بل بالدولة نفسها. فإذا كان رجل مارس المحاماة والعمل البرلماني وخاض انتخابات الرئاسة وترأس حزبًا سياسيًا علنيًا يمكن أن يجد نفسه في مثل هذا الوضع دون تفسير قانوني واضح للرأي العام، فكيف يشعر المواطن العادي بالأمان القانوني؟

الأمن القانوني ليس مصطلحًا أكاديميًا مجردًا. إنه شعور المواطن بأن القانون يمكن التنبؤ به، وأن الحقوق لا تضيع بقرار مفاجئ، وأن الإجراءات لها معايير معلومة ومفهومة وقابلة للمراجعة والطعن. وكلما اهتز هذا الشعور، تراجعت الثقة في العدالة نفسها.

أخطر ما يترتب على مثل هذه التشريعات ليس فقط ما تمسه من حقوق مدنية وسياسية، بل أيضًا ما تتركه من آثار اقتصادية واجتماعية عميقة. فحرمان الإنسان من إدارة أمواله أو ممارسة نشاطه أو السفر أو التخطيط لمستقبله المهني لا يصيبه وحده، بل يصيب أسرته وشركاءه والعاملين معه وكل من يرتبط به اقتصاديًا واجتماعيًا.

ولهذا فإن الحديث عن هذا القانون لا ينبغي أن يقتصر على زاوية الحريات العامة فقط، رغم أهميتها، بل يجب أن يمتد إلى الحق في العمل، والحق في الملكية، والحق في الكسب المشروع، والحق في المشاركة العامة، وهي حقوق لا تقل أهمية عن الحقوق السياسية والمدنية.

الدولة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على العقاب، بل بقدرتها على حماية الحقوق أثناء العقاب، وقبل العقاب، وبعد العقاب. وهذا هو الفارق الجوهري بين دولة القانون ودولة الإجراءات.

ومن هنا فإن أي مراجعة جادة لهذا الملف يجب أن تنطلق من عدد من المبادئ الأساسية:

أولها أن مكافحة الإرهاب ضرورة وطنية لا جدال فيها.

وثانيها أن مكافحة الإرهاب لا تبرر الانتقاص غير المتناسب من الحقوق الدستورية.

وثالثها أن الإدراج يجب أن يخضع لأعلى درجات الرقابة القضائية والشفافية.

ورابعها أن كل أثر يمس حقوق المواطن الأساسية يجب أن يكون محددًا ومؤقتًا ومتناسبًا وقابلًا للمراجعة.

وخامسها أن الأصل هو المواطنة الكاملة، لا المواطنة المشروطة.

مصر الممكنة التي نحلم بها في عام 2030 ليست مصر المتسامحة مع الإرهاب، لكنها أيضًا ليست مصر التي تتحول فيها الإجراءات الاحترازية إلى عقوبات ممتدة، أو تصبح فيها الحقوق الدستورية رهينة للاشتباه.

قوة الدولة لا تظهر حين توسع دائرة القيود، بل حين تستطيع حماية أمنها دون أن تتخلى عن قيمها الدستورية. فالدساتير لا تُكتب للأيام الهادئة فقط، بل تُكتب بالأخص للأيام الصعبة، حين يصبح احترامها أكثر كلفة وأكثر ضرورة في الوقت نفسه.

ولذلك فإن إعادة النظر في قانون الكيانات الإرهابية ليست معركة بين السلطة والمعارضة، ولا بين الأمن والحرية، بل هي جزء من معركة أكبر تتعلق بمستقبل دولة القانون نفسها.

فحين تبقى المواطنة حقًا لا استثناءً، وتبقى العدالة قاعدة لا ظرفًا، يصبح الأمن أكثر رسوخًا، وتصبح الدولة أكثر قوة، ويصبح المستقبل أكثر استقرارًا.

الحلقة التالية: مصر الممكنة 2030 (36)

العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (7)

القاضي المصري… الهيبة الجريحة والهجرة الصامتة

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى