مقالات وآراء

نزار كريش يكتب: المصالحة العربية الكبرى من تفكيك التشقيق إلى تجاوز سرديات الإزاحة

منذ نعومة أظفاري كنتُ مشغولًا بالفكر والسياسة. وفي زمن القذافي دفعتُ ثمن انشغالي ثماني سنوات من عمري. هناك، في ذلك العالم المغلق، عشتُ مع كل الأطياف: متطرفين ومعتدلين، علمانيين وإسلاميين، انقلابيين ورجال مخابرات زرعتهم الولايات المتحدة في ليبيا. كان السجن مختبرًا مكثفًا لفهم العقل العربي، ومختبرًا لفهم نفسي أيضًا.

في تلك السنوات قرأتُ كتاب كارل بوبر “المجتمع المفتوح وأعداؤه”. انتقد بوبر معظم الفلسفة الغربية منذ أفلاطون، وطرح فكرة جوهرية: الحلول الكلية لا تنجح، والتاريخانية لا تقود إلى الخلاص، والمشكلات الكبرى لا تُحل إلا بتجزئتها إلى وحدات قابلة للمعالجة.

بعد الربيع العربي بدا وكأن الدول العربية أمام فرصة لإعادة بناء أنظمتها بعيدًا عن خلافات الماضي. لكن الأيديولوجيا كانت قد حفرت عميقًا في عقول النخب، حتى صار التشقيق والتقسيم جزءًا من الفعل السياسي نفسه. ومع ذلك تغيّر شكل الخلاف: لم يعد صراعًا كليًا كما كان مع القذافي، والأيديولوجيات صارت مترهلة لا تملك قدرة على فهم ما يجري لوحدها. الإخوان تراجعت قوتهم الاجتماعية، التيار القومي فقد هويته، العلمانيون يعيشون أزمة عالمية، والليبرالية مأزومة كما يشير عدد من المفكرين العرب. كتاب منصف المرزوقي عن الأيديولوجيات هو أقرب إلى خطاب نعي لتلك المنظومات الفكرية، وأدبيات كثيرة تؤكد تراجع الأفكار الكبرى من المفكرين في الحركات الإسلامية كما هي كتب شادي حميد على سبيل المثال.

ورغم هذا الانهيار، ظلّ الخطاب الأيديولوجي هو السردية التي تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. لكن الواقع يقول إن الخلافات لم تعد فكرية، بل تحوّلت إلى صراع حول الاستبداد كظاهرة اجتماعية تحكم السياسة، والظلم الاجتماعي كنتاج لتغليب فكرة السياسة على السياسات، وغياب الرؤية الاستراتيجية. النظام العربي نفسه يعيش حالة تفكك، كشفت عنها الحرب الإيرانية الأخيرة لكل ذي عينين.

غير أن تجاوز التشقيق وحده لا يكفي. فثمة سردية أخرى لا تقل خطورة، وهي اختزال النضال السياسي في “إزاحة الحاكم”، أو تصوير الحكام وكأنهم مجرد دمى في يد الخارج. هذه السرديات، رغم انتشارها، لم تخدم أحدًا. فهي تُفرغ السياسة من مضمونها، وتحوّل الشعوب إلى جمهور ينتظر الخلاص من فوق، وتُعفي النخب من مسؤولية بناء البدائل، كما تُعفي الأنظمة من مسؤولية الإصلاح.

الواقع أكثر تعقيدًا: الأنظمة ليست كيانات مطلقة القوة، ولا المعارضة كتلة ملائكية، ولا الخارج يتحكم في كل شيء. هذه التصورات المختزلة تُبقي الجميع أسرى لثنائية “الضحية والجلاد”، وتمنع أي إمكانية لبناء عقد سياسي جديد.

الجديد اليوم هو أن الخلاف لم يعد خلافًا حول “كل شيء”، بل حول قضايا محددة. مستوى التهديدات التي تواجه الدول العربية أصبح أكبر من قدرة الحكومات وحدها، وأكبر من قدرة معارضة ضعيفة لا تقود الرأي العام. فماذا نفعل الآن؟ هل ننتظر حتى نجد أنفسنا أمام انهيارات أكبر تهدد بنية الدول العربية كلها؟

سوريا تواجه تهديدًا وجوديًا من الكيان المحتل.

لبنان دولة فاشلة لا تحمي سيادتها.

مصر، قلب الأمة، تعاني تشققات اقتصادية خطيرة.

اليمن أزمة مركبة لا تُحل إلا بنظام إقليمي يحترم السيادة ويوقف التدخلات الإيرانية.

ليبيا والسودان دفعا ثمنَ التأثير الشبكي الإماراتي الذي لم ينتج إلا الفوضى.

وفي تونس، الرئيس قيس سعيّد لا يعرف إلى أين يمضي، والمعارضة عاجزة عن إيجاد أرضية مشتركة مع مؤسسات دولة تائهة.

أما الممالك العربية، رغم استقرارها النسبي، فهي جزء من شبكة إقليمية تمتد من النيل إلى جيحون، ومن المحيط إلى الخليج، ولا يمكنها النجاة وحدها.

ألا نحتاج إلى طريقة تفكير مختلفة؟

نعم نحتاج إلى معادلة جديدة تتجاوز التشقيق والتصنيف، وتتجاوز السرديات التي تُشيطن الحكام أو تُجرّم المعارضة. نحتاج إلى تفكيك الأزمات بدل التعامل معها ككتلة واحدة، وهذا ما أفادته فلسفة بوبر ومدرسة فينّا للحضارة الغربية، فإن التفكير المنطقي الذي ساد ربط ربطًا تامًا بين الحقيقة التي اعتقد فلاسفة فينّا أنها قد تمنع الكليات الشعرية والشاعرية. بالطبع هذا قد لا يجدي في منطقتنا، لكن علينا أن نضع تصفية حقيقية لطبيعة الأفكار التي نتداولها في المنطقة لتكون أكثر قربًا من مشاكلنا.

في أوروبا عندما بدأت سيطرة الكنيسة لم تكن الثورة الفرنسية هي العلاج، هذا غير صحيح رغم أنه شائع. الثورة الفرنسية لم تنجح لأنها صمدت طويلًا، نابليون إمبراطور ومستبد ولم يكن يمثل شيئًا من الثورة، التغير الحقيقي حدث في المملكة المتحدة، في الشبكات التي قادت التغيير عبر الفكر كمدرسة كامبريدج، في التجار الذين جابوا العالم، في الشركات التي غيرت الموازين الاستراتيجية، في التعاقد والتغير الذي حدث في بنية المجتمع البريطاني، في قدرة الناس على أن يكونوا في صلب المعادلة عمالًا وفلاحين وطلبة.

نحن بحاجة كذلك لرؤية واضحة للأمن القومي في المنطقة. وذلك بإضافة باكستان وتركيا وإيران بعد انتهاء هذه الحرب، وهذا يقتضي تفكيرًا شبكيًا ودراسات معمقة لا تنطلق من الأيديولوجيات بل من أولويات الأمن والتنمية لشعوب هذه المنطقة. لم تعد تركيا مجرد دولة لدينا الخيار في التعامل معها، تركيا تجربة استراتيجية وفكرية ومؤسسية علينا أن نقر بأنها الأقرب إلينا لفهم معنى التغيير والحضارة، لقد صدق النورسي وأخطأ محمد عبده عندما رفض الأول أن يمضي في أفكار الأفغاني، وربما كان الحكيم البشري الأسبق لفهم هذه المعادلة.

المعارضة عليها أن تتبنى استراتيجيات مشتركة تجعل الدول العربية جزءًا فاعلًا في نظام دولي مفكك. وهذا ما ينبغي أن تفهمه الولايات المتحدة الأمريكية بتضافر الجهود من الجميع، وأنه لا يمكن المضي في سياسة الاستفادة من الأمة العربية والاستخفاف بها في نفس الوقت، وهذا قد تسهم فيه المعارضة لرفع الحرج عن الحكام.

هذا لن يتحقق إلا بمصالحة عربية كبرى تُبنى عبر لقاءات غير رسمية وشبكات تفكير جديدة، بين مختلف الأطياف والحكومات بشخصيات فاعلة ووازنة. وهذا قضية أساسية تتجاوز فيها المعارضة فكرة الإطاحة بالحكام، ويتجاوز فيها الحكام فكرة السرديات القاتلة التي تنشرها عن تلك المعارضة. هذا قد يحدث بلقاءات غير رسمية، خارج الأضواء والإعلام.

نحن بحاجة إلى سردية جامعة تعيد الحيوية والفاعلية إلى أمة مغلوبة على أمرها فالسياسة لم تعد عقلانية، لا عندنا ولا في العالم كله. الإنسان تحركه العواطف والذكريات والطموحات، ولا يمكن لقانون أو جهاز استخبارات أو سجن طويل أن يغيّر ذلك. نحن بحاجة إلى نماذج تفصيلية جديدة، تسمح لكل الأطراف بالتواجد في الساحة السياسية، وتبني سردية مشتركة تُعيد شيئًا من القدرة على الفعل. ربما سيقول قائل هذه مثالية، لكن المنطق يقول إن السماء قد تقع على الجميع، حينها ستكون هذه المثالية هي طوق النجاة، الحكام لن يجدوا ملجأً كما حدث لبعضهم في الربيع العربي، والمعارضة ستسحقها الليبرالية الجديدة، والشعوب لن تفكر كثيرًا في من سيقع تحت أقدامها، لكل ذلك نحن بحاجة إلى مصالحة كبرى.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى